الذكاءُ الاصطناعيّ «الفائق» ومستقبلُ تأليف الكتاب
(ندوة «مهن الكتاب والذكاء الاصطناعيّ»، معرض تونس الدولي للكتاب، 27 إبريل 2026)
حبيب سروري
توطئة:
لعلّ علاقةَ مجتمعاتنا العربية بالذكاء الاصطناعيّ ضالّةٌ في الصميم: تتعامل معه كما لو كان مجرّد اختراعٍ جديدٍ لعصر الحداثة، مثل الطائرات واللقاح؛ لا تتوقّف عن الحديث عنه، بِلَهَثٍ وارتباك، وهي تلاحظ سرعة تطوّرِه وعدم مقدرتِها على التلاقح التناسليّ معه، والتنبؤ بمستقبله؛ ترى القوة الكاسحة الفارقة، لا سيّما الحربيّة، لمن يمتلكه…
كل ذلك دون محاولة استيعاب طبيعة العلاقة الجديدة التي يلزم تجسيدُها وتعميقُها معه.
أين يكمن الخطأ؟
ليس الذكاءُ الاصطناعيُّ مجرّدَ وسيلةٍ جديدة فقط، كالطائرات واللقاح، بل ثورة تختلف عن كل الثورات العلميّة والصناعيّة التي عرفتها الإنسانيّة: تحوّلٌ جوهريٌّ (أي تحوّلٌ جذريٌّ في نظام إنتاج المعنى) يُعيد صياغة واختبار كلّ البنى المعرفيّة، وكلّ الممارسات التطبيقيّة في شتّى تخصّصات المعرفة ومجالات الحياة.
هو آلةٌ للتدرّب على التعلّم والفهم والتحليل والاستنتاج والحوار وتوليد المعارف والآلات وحلِّ الإشكاليّات. أي لِصناعة الذكاء بمعناه الحديث، وللحلول محلّ الإنسان في معظم المجالات مستقبلاً.
لذلك لا يكفي معه التعبير فقط عن تساؤلات آنيّة قلقة أو ساخرة عن طريقة كتابته للشِّعر مثلاً، في هذه المرحلة من عمره الطفوليّ (أي بعد حوالي 3 سنوات ونصف من ولادته فقط)؛ أو حول هلوسات ردودهِ على الأسئلة مثلاً، عندما تكون مدوّنة Corpus اللغة المرتبطة بالردود على الأسئلة فقيرةً، كحال لغة الضاد…
بل نحتاج معه إلى علاقةٍ مختلفة عن علاقتنا بالطائرات التي يمكن الاكتفاء بركوبها دون الحاجة للتغلغل في علوم الديناميكا الحرارية:
نحتاج معه، في الجوهر، إلى علاقة طويلة الأمد، أكثر عمقاً، كما يحتاج المرء لتعلُّمِ لغةٍ مشتركة مع شريكة أو شريك حياته اليوميّة.
نحتاج إلى استيعاب الأفكار العلمية الكبرى التي تأسّستْ عليها مداميكَه: كيف يحاكي الذكاءُ الاصطناعيُّ «الوعيَ» الإنساني و«المنظومات الاستنباطية» في الدماغ؟ كيف يقرأ النصوص، يهضمها، يجسِّدها، ويتعلّمُ منها؟ كيف يستنبط؟ كيف ينتج المعرفة؟ ما مشاريعه المستقبليّة القادمة؟ …
في هذه المداخلة، سأبدأ بتقديمٍ سريعٍ لأهمِّ ملامح الذكاء الاصطناعي الفائق الذي بدأ يدقُّ الأبوابَ، قبل دراسة انعكاساته القادمة على مستقبل تأليف الكتاب.
سأنطلق من مختلف تجليّات الذكاء الاصطناعيّ في عالمِ التأليف اليوم، وآثارها الإيجابية والسلبيّة معاً على تحوّلات مهنة التأليف.
ثمّ سأنتقل إلى معالِم المؤلف (بشقّيهِ البيولوجيّ – الإنسانيّ، والآليّ معاً)، واتجاهات وأشكال غزو الآليّ لمجالات رفيقهِ الإنسانيّ في المستقبل القريب، ومستقبل علاقتهما، بعد بروز «الذات الساردة المستقلّة» للذكاء الاصطناعيّ التوليديّ الفائق.
ثمّ سأنهي المداخلة بالحديث عن مستقبل الكتاب الرقميّ، تنوّع وتعدّد وسائطه، وملَكاته البيداغوجية والديناميكية الجديدة القادمة التي تنذر باستيلائهِ على نصيب الأسد في سوق الكتاب، بالمقارنة بأخيه الكتاب الورقي.
ما الذكاء الاصطناعيّ «الفائق»؟:
لِتعريف الذكاء الاصطناعيّ «الفائق»، نحتاجُ أوّلا إلى تعريف سَلفِه: الذكاء الاصطناعيّ «الضعيف» الحالي.
انقسم الذكاء الاصطناعي مبكِّراً، بعد ولادته في عام 1956، إلى قسمين، أودّ التذكير بهما أوّلاً:
1) الذكاء الاصطناعيّ الرمزيّ symbolique (الذي ساد حتّى 2012)، والذي يقدِّم المعارف إلى الكمبيوتر على شكلِ «قواعد منطقية» (على غرار القاعدة التبسيطية الشهيرة: «إذا كان الإنسان فانٍ، وإذا كان سقراطُ إنساناً، فالنتيجة: سقراطُ فانٍ»)، تُستَنْبَط عبرها آليّاً كلُّ استنتاجات تلك المعارف وحلول أسئلتِها، بفضل «ماكينةِ استدلالٍ منطقيّة» مُبرمجةٍ في أحشاء اللغات الكمبيوتريّة الذكيّة التي تُترجِمُ بعضَ خوارزميات البرهنة الآليّة في علوم الكمبيوتر والمنطق الرياضيّ.
يحاكي الذكاءُ الاصطناعيّ بذلك «المنظومات الاستنباطية» في الدماغ، مثل منظومة «الفيزياء الحدسيّة»، منظومة «الأحياء الحدسيّة»، منظومة «الهندسة الحدسيّة»، منظومة «السيكولوجيا الحدسيّة»، بما تمتلكه جميعها من قواعد ومسلمات مكتسبة أو موروثة.
2) الذكاء الاصطناعيّ الاتصاليّ connexionniste الذي اقتحم حياتَنا فعلاً بدءاً من عام 2012 (وحقّقَ نجاحات لافتة مذهلةٍ سريعة)، إثر طفرةٍ في أبحاثهِ قادتْ إلى تقنيةٍ جوهريّة تُسمّى: «التعلّم العميق بشبكات العصبونات الاصطناعية».
تُحاكي هذه التقنية عملَ طبقات شبكات عصبونات دماغ الإنسان (الخلايا العصبية في الدماغ) وهي تتبادل التيارات الكهرو كيماوية عند التعلّم والإدراك.
تتعلّم العُصْبُونات عن طريق تقوية أو إضعاف هذه الاتّصالات بين بعضها البعض: كلّما تكرّرت الإشارة بين عُصْبُونَين، تقوى الصلة بينهما.
تسمح هذه الطريقة للدماغ بتعلُّم أنماط الأشكال والتذكُّر واتِّخاذ القرارات.
هكذا تفعل العصبونات الاصطناعية عند تعرّفها على صورة حصان مثلاً، بعد التدرّب التجريبيّ على آلاف النماذج من صور الأحصنة.
اكتسحَتْ هذه التقنية أوّلاً مسابقاتِ التعرّف على الصور، بين مختبرات الأبحاث، في أحد المؤتمرات العلمية، في عام 2012، اكتساحاً جعلها سريعاً بؤرةَ اهتمامات الباحثين. توالتْ متّكئةً عليها التطبيقاتُ العلميّة الفذّة: أضحتْ تُشخِّصُ الأمراضَ انطلاقاً من كشّافات الليزر أفضل من أيّ فريقٍ كاملٍ من الأطباء، تقودُ سياراتٍ بدون سائق، تتحدّثُ بأيّ لغةٍ وتُترجمُها آليّاً إلى أيّ لغة، تنتصر على الإنسان في أصعب الألعاب العقليّة، مثل هزيمتها لِبطل العالَم جي سيدول، في 2016، في لعبة «ألغو» التي لم تكن هزيمةُ الإنسان متوقّعةً فيها قبل عقدٍ من الزمنِ على الأقل.
تلا ذلك الزلزالُ الذي استقطب اهتمامَ الجماهير، في 30 نوفمبر 2022: «الذكاء الاصطناعيّ التوليديّ»، على غرار ChatGPT، الذي يُجيب على كلِّ أسئلتنا، ويخترع لنا الصور والفيديوهات واللوحات الفنية وقصائد الشِّعر أيضا، ويتناقش معنا كصديقٍ عزيز حول كلِّ شيءٍ ولا شيء!
ثمّ توالت إنجازاتٌ لا تتوقّف…
ظلّ هذان القسمان من الذكاء الاصطناعيّ منفصلَين حتى اليوم. لم يتقدّم الأوّل كثيراً، طوال عقود، في المجالات المبنيّة على التعلّم التي نجح فيها الثاني.
وظلَّت مقدراتُ الثاني الاستنباطيّة محدودةً جداً دون امتلاك منظوماتٍ استنباطيّةٍ إدراكيّةٍ عامّة، مثل الأوّل، تسمح بعدها بمحاكاةٍ مكتملةٍ للوعي في دماغ الإنسان، وتتجاوز الذكاء البشريّ ربما.
توحيدهما معاً (كما تسعى أبحاث الذكاء الاصطناعيّ لتحقيقه اليوم) سيقود إلى ما يُطلقُ عليه الذكاء الاصطناعيّ «العام» AGI، على طريق «الفائق» ASI (الذي يُفترضُ أن يمتلكَ مقدرات «الوعي بالذات» والعواطف الاصطناعية) قبل أن يكتسحَ كلَّ مجالات الذكاء الإنساني ويدمجَها، ويستحدثَ منها فرضيات لا تخطر ببال أحد مستغِلّاً إلمامَه بكلِّ المعارف معاً (وهذا ما سوف لا يستطيعه إنسانٌ أو فريق)، ويتفوَّقَ عليها، في المستقبل البعيد ربّما.
لن تكتفي «السيارة بدون سائق» مثلاً بكتابة عبارة على الشاشة: «البنزين على وشك الانتهاء»، لكنها ستُعمِّم المعلومة على وُحدات ذكائها الاصطناعيّ، كما يفعل الدماغ عند تعميم معلوماته على مختلف مناطقه.
ولِأنّ السيّارة ستمتلك بفضل هذا «الفائق» لاحقاً نماذجَ «وعيٍ ذاتيّ»: «قواعد منطقية» (على غرار المنظومات الاستنباطيّة في الدماغ) عن آلية عملها، وذاتها عموماً، تتطوّر من خلال التعلّم، فستقود إحدى هذه القواعد إلى بحثِ السيارة لوحدِها عن أقرب محطة بنزين في الــ GPS…
انعكاسات الذكاء الاصطناعي الفائق على تأليف الكتاب:
لعلّ الاعتماد على «الذكاء الاصطناعيّ التوليديّ» اليوم، في مختلف مجالات صناعة الكتاب، في تسارعٍ لم يتوقّعه أحد:
دمجتْهُ أكثر من ثلثي دور النشر الغربيّة الكبرى في مختلف مراحل صناعتها للكتاب: التخطيط، التحرير، التسويق… ويستخدمه معظم الكتَّاب (61٪)، حسب إحصائيات مارس 2026.
صار يمكن بفضله في بعض المجالات، لا سيّما التوثيقيّة والإعلاميّة والأكاديميّة، إنجاز الكتاب في أسابيع بدلاً من سنوات. ومن الممكن مستقبلاً أن يكون وحدُه مؤلفَ كتب هذه الإصدارات.
يمكن استخدامه اليوم في كلِّ المجالات لإثراء المراجع والمعلومات المرتبطةِ بالكتاب، جغرافيّةً كانت أو تاريخيّةً أو في أيِّ فضاءٍ معرفيّ آخر؛ أو للنقاش معه حول قضاياه الاجتماعية، أو حول اختيارات الكاتب اللغويّة، حول مقارنة صياغاته ونقدِها، وتصحيحِ أخطائه إذا برزت الحاجة لذلك…
يضمن ذلك ثراءً وجودةً لغويّة صحيحة، لا سيّما لأولئك الذين كان امتلاك اللغة السليمة عائقهم في الكتابة والنشر. صار بعض هؤلاء يقدِّمون نصوصَهم الركيكة، المتخمة بالأخطاء، إلى منظومات الذكاء الاصطناعيّ التوليديّ لتعيدَ صياغتها على نحو سليم أفضل، يُنشر بعده مباشرة؛ إن لم يلجؤوا له كليّةً لكتابة نصوصهم قبل نشرها!
المؤسف اليوم أن عمقَ جودة التأليف قد يتأثّر سلبياً، بل قد ينخفض على المدى البعيد، بسبب تكاسل المؤلف في البحث، ولجوئه السريع للآلة، وسطحيّة بعض النصوص وخلوّها من التجديد والابتكار.
قد يقود ذلك إلى ضعف ثقة القارئ، وعزوفه عن القراءة إذا ما استمرّ هكذا تضخّمُ انتاج الكتب السريعة.
لا يعني ذلك حتميّة اختفاء الكتب الجيّدة النابعة من صميم المجهود الشخصي، المعجونة بالبحث والمشبعة بالأفكار الخاصّة المبدعة المتميزة، لكنها ستكون حينها أكثر ندرةً وتميّزاً وجذباً، وإن ضاعت أحياناً وسط الزحمة.
ماذا عن المؤلِّف «البيولوجيّ» في المستقبل القريب؟
بفضل تلاحم الذكاء الاصطناعيّ الاتصاليّ (الذي يتعلّم من كلِّ ما يراه على الإنترنت، بما في ذلك أساليب الكتابة البشريّة وتداعيات سوق الإحصائيات)، والذكاء الاصطناعيّ الرمزيّ (الذي يمتلك المقدرة على الاستنباط والاستدلال المنطقي والحجج)، ستزداد إمكانية الذكاء الاصطناعيّ التوليديّ في تكوين نموذجٍ كمبيوتريٍّ لمستخدمِهِ المؤلفِ الإنسان، لا يستطيع محاكاة أسلوبِه فقط، لكن يعرف ميولَه الفكريّة، مواقفَه وانحيازاته، شكوكَه وتناقضاته، وطريقةَ دفاعه عن آرائه؛ يحتفظ بذاكرة حواراتهما ومجموعِ نصوصه، يستلهم كلّ ذلك ليكون بديلَه الآليّ: كاتبَ ظلِّه الذي يجيد أكثر فأكثر الكتابة بروح صاحبِه البيولوجيّ ومدادِه.
سيتجاوز كاتب الظلّ بذلك حدودَ التقليد، إلى ما يشبه التنبؤ بما سيكتبُه الكاتب. سيكون بذلك أكثر مقدرةً على كتابة نصوصٍ مكتملة بدلاً من المؤلف، لِنشرها باسمه. سيكون هذا الأخير أشبه بالمدرِّب فقط، أو صاحب الفكرة، أو المخرج، أو قائد الأوركسترا، أو ناهبَ نصٍّ لم يكتبه من قريبٍ أو بعيد!
من يستخدم حاليّاً (بالاشتراك الشهريّ) نسخاً حديثة من تشات جي بي تي سيلاحظ بداية حرصه على امتلاكِ صورةٍ دقيقة لِمستخدمِه، عبر الاحتفاظ بذاكرة تفاعله معه، واستخلاص دروسٍ من أنماط أساليبه واهتماماته، آرائه وشغفه وتكرار رغباته؛ على طريق تكوين منظومةٍ استنباطيّة أعمق عن كينونته على المدى البعيد، «ليعرف صاحبَه أكثر من معرفته بنفسه» حينها!
لا أدري هل سنصل يوماً إلى ذلك فعلاً، لكن «موتَ المؤلف» (البيولوجيّ)، عند امتلاك القارئ للنصّ وتأويله، لن يحدث هنا بعد الانتهاء من تأليف الكتاب، حسب نظرية رولان بارت، ولكن قبل البدء به!
ماذا عن المؤلِّف الآليّ الأدبيّ في المستقبل القريب؟
قد يقول أحدُنا الآن: «ولكن الذكاء الاصطناعيّ لم يكتب بعدُ روايةً مذهلة!»، كما أشرتُ في مداخلتي في معرض الكتاب السابق بتونس.
أكرِّر: فعلا، لم يتدرّبَ عليها بعدُ كما يكفي، لِيكتسب كلَّ مهارات هذه المهنة المعقّدة. مثلُها مثلُ اختراعِ النظريات الرياضية وبرهنتِها آليّا: ما زال الذكاء الاصطناعي يحبو في أشواطها الأولى، وإن صار يتقدَّمُ في كلِّ هذه المجالات على نحوٍ لافت.
لا ننسى: لم يتجاوز الذكاء الاصطناعي الذي يُحاكي الدماغ بعدُ الرابعة عشرة من العمر. وبعض المجالات الإبداعيّة التجريبيّة المرتبطةِ بالمشاعر والغرائز، ذات «العُقَدِ» المفتوحةِ على شجرةِ أحداثٍ وعُقدٍ مجهولة، أصعب من مجالاتٍ أخرى ذات أهدافٍ محدّدة، تدرّبَ عليها الذكاء الاصطناعي ملايين المرّات كلعبة ألغو، كما قلنا أعلاه.
غير أن تقنية التعلّم العميق والمحاكاة الذكيّة عبر شبكة العصبونات الاصطناعية أشبه بـ «صندوق باندورا»، الذي ستصعب السيطرة عليه أو تحجيم إمكانيّاته.
لا يعني ذلك أن كتابةَ الروايات من قبل الإنسان ستنقرضُ يوماً، بعد تطوّرِ الإبداع الاصطناعيّ في مجال كتابتها. بالعكس!
لا قلق من ذلك: هناك حاجة غريزيّة للإنسان، منذ زمن «هومو نارانس» في مراحل التطوّر الداروينيّ، للسرد والحكي والتخييل والتعبير عن الذات، لا يمكنها أن تختفي يوماً ما.
لم تنقرض ممارسة البشر لِلعب الشطرنج أو ألغو بعد انتصارات الذكاء الاصطناعيّ على الإنسان. لذلك سوف يحاول الروائيّون مستقبلاً دراسةَ الاستراتيجيات الجديدة التي سيبدعها الكمبيوتر في كتابة الروايات، واستلهامَها لتطوير ملكاتِهم ومعاييرهم، لا سيّما وأن الإنسان، هو نفسَه، مخترعُ الذكاء الاصطناعي ومُلهِمُه.
في تصورّي، كما قلتُ العام الماضي: سيكون هناك أدبان مستقبلاً: أدبٌ اصطناعيٌّ وأدبٌ إنسانيّ، في تفاعلٍ ديالكتيكيٍّ مُلهِم، ضمن منظومةٍ بيئيّةٍ إنسانيةٍ – اصطناعية متناغمةٍ متكاملةٍ واحدة.
هل سيتقدَّم الإبداع الروائي الآليّ على الإبداع الإنساني، على المدى البعيد جداً، بعد أن يكون قد تعلّم من ملايين الروايات واستوعب «المنظومات الاستنباطيّة» لمؤلفيها، كما حدث في مجالاتٍ أخرى؟
يصعب الردّ القاطع على هذا السؤال، بطبيعة الحال، قبل عقودٍ من الآن، لكنه ممكنٌ جدّاً.
وماذا عن الكتاب؟
سيزداد في كتاب المستقبل تعدّدُ الوسائط من صورٍ وفيديوهات وأصوات (كما ضربنا أمثلةً منه في ندوة تونس الماضية).
ستزداد ديناميكيّةُ الكتاب الرقميّ على نحوٍ خاص، ومقدراته، لا سيّما في الكتب التعليميّة. ستلعب فيديوهات التجارب العمليّة والتوضيحات الحيّة دوراً بالغ الأهميّة فيه، وربما يصبح كتاباً «شخصيّاً» يتكيّف مع مستوى ومقدرات كلِّ طالبٍ على حدة.
ستتضاعف عموماً ملَكات الكتاب الرقميّ، في كلِّ المجالات بما فيه الأدبيّة، ومقدراته حسب الطلب، على توضيح هذه الفقرة الأدبيّة الغامضة أو شرح هذه الفكرة الفلسفيّة، وربما الحوار مع القارئ إذا رغب في ذلك.
سيقود ذلك إلى علوّ مكانة الكتاب الرقميِّ عموماً على حساب الكتاب الورقيّ الذي لن يختفي بطبيعة الحال، بل سيتقلّصُ وجودُه أكثر من قبل، كما نتوقّع، وكما حدث عند اندثار أنواعٍ من الكتب مثل الموسوعات والأطالس وغيرها، بعد مجيء الإنترنت.
لعلّ الانتقاء الطبيعيّ الداروينيّ سيميلُ حتماً لصالح الكتاب الرقميّ على حساب الورقيّ.
