نحو ذكاءٍ اصطناعيٍّ اشتراكيٍّ حنون

حبيب سروري

لأبدَأ مقالي بحادثةٍ رمزيّة، قد تبدو هامشيّة، لكنها تحمل دروساً مهمّةً وعميقةً لنا جميعاً:

في يوليو 2024، في ضيعة أورمسكير، وسط مقاطعة لانكشاير الإنجليزية، فرضت شركة مواقف سيارات غرامةَ 60 جنيهاً استرلينياً على السيد لورين كول، الذي لم يكن مقتنعاً بشرعيّة الغرامة.

لجأ إلى تشات جي بي تي الذي ساعده من الألف إلى الياء في إعداد ملفٍ قضائيٍّ رسميٍّ للطعن في الغرامة لدى المحكمة، مُفنِّداً خللاً في رسالة الشركة، وداعماً طعن السيد كول بِصورٍ لأوضاع إنارة إشارات المرور في بهو مواقف السيارات حين ذاك، وغير ذلك من الحجج.

نجح الطعن، لم يدفع السيد كول الغرامة، بل تمّ تعويضه عن الأضرار بحوالي 500 جنيه!

ينطلق افجيني موروزوف، مدير منصة سيلابوس، في مقالٍ طويلٍ وهام في مجلة «لوموند ديبلوماتيك» لشهر أغسطس 2026، بعنوان «اليسار والذكاء الاصطناعيّ»، من هذه الحادثة، ملاحظاً أن انتصار السيد كول فرديّ، لا يفيد أيّ شخصٍ آخر قد يستلم أمراً بدفع غرامةٍ مشابهة (ثمّة مئات الحالات الشبيهة التي لا تستطيع عمل شيء، أو تفشل).

وحدُهُ تشات جي بي تي من يستفيد من هذه التجربة: يبتلع كل «برومبتات» السيد كول (نصوص الأسئلة والتوجيهات التي وضعها)، وكل نتائج البحث والتفنيد، وكل تفاصيل الحدث وبناء الملف القضائيّ، في أمعاءِ معارفِ ماكينتِه اللغوية LLM هو وحده.

ينتقد موروزوف في مقاله مواقفَ اليسار من الذكاء الاصطناعيّ، ذات الطابع التقليديّ الذي لا يواكب حركة الزمن.

تكتفي غالباً بطلب ضرائب جديدة من شركات الذكاء الاصطناعي للصالح العام، على غرار مقترح عضو مجلس الشيوخ الأمريكي بيرني ساندرس بأخذ نصف رأس مال هذه الشركات، لصناديق اجتماعيّة، باعتبار أن خوارزميات الذكاء الاصطناعيّ، وماكينات نماذجها اللغوية، تدرّبَتْ على نصوصِ التجربة الإنسانيّة، واستخلصَت منها مقدراتها الذكيّة. ويعود للإنسانية لذلك الحقّ في تقاسم الأرباح.

يكتفي اليسار بهذه المواقف الإداريّة، دون تقديم مقترحات عمليّة لاستغلال علوم وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعيّ المدهشة لتطوير المقدرات الجماعية للناس، لتعميم تجاربهم الناجحة (تجربة السيد كول كمثال رمزيّ)، ولِتطوير ملَكاتِهم وذواتِهم في كلِّ المجالات… تاركاً لِقوى المال اختراع وتشييدَ طوباويات ذكاء المستقبل وآفاقِها المذهلة على هواها.

بِِدورِه يسرد موروزوف، في مقاله، مقترحات عمليةً للاستفادة من الذكاء الاصطناعيّ في تطوير القدرات والخبرات الشعبيّة، بواسطة بناء «مستودعات اشتراكية للمعارف وخلاصات التجارب الناجحة»، عبر مؤسسات متنوِّعة: مدارس، نقابات، مكتبات، مراكز اجتماعية…

«البرومبتات الجيّدة لن تتخثّر بفضلها في زاوية خاصة في بطن الذكاء الاصطناعيّ»، وكلّ الخبرات الإنسانية والتجارب الذكيّة ستصبح مِلكاً لِلجميع.

ونحن، كعرب، كيف يمكن للذكاء الاصطناعيّ أن يُساهمَ في تطوير ذواتنا، ويُخرجنا من تقوقعنا الحضاريّ وتخلفنا التقنيّ والمعرفيّ؟

هذا هو السؤال الجوهريّ المركزيّ الذي لا نتطرّق له، من قريبٍ أو بعيد؛ أهمّ الأسئلة.

يحيطنا عربياً ضجيجٌ يصمّ الآذان ممن يتحدّثون عن الذكاء الاصطناعيّ ولا يدرون ما هو في الأساس، ولا يبذلون أدنى جهدٍ لاكتساب أفكاره الكبرى كثقافةٍ عامة على الأقلّ.

فبدلاً من فتح النقاش حول هذا السؤال المركزيّ، بعد استيعاب أبجديات عمل ثورة الذكاء الاصطناعيّ التي تُغيّر حياة بشرية اليوم (منذ اقتحام تقنية «التعلم العميق بالعصبونات الاصطناعية» العالمَ في 2012، كما سردنا ذلك في أكثر من مقال في «القدس العربي»، وما تمخّضَ عنها من إنجازات مذهلة: «التعرف على الصور» و«الترجمة الآلية»، «السيارات بدون سائق»؛ مروراً ب «الذكاء الاصطناعيّ التوليديّ»؛ وحتّى اقتحام كلّ العلوم وابتكار التطبيقات العمليّة المذهلة لا سيّما في مجالات الطب وتخفيض عدد ضحايا اصطدامات السيّارات الحديثة؛ بل تحوّل الكثير مما كان يعتبر سابقاً خيالاً علميّاً إلى حقائق ملموسة اليوم)؛

بدلاً من ذلك، يعمّ عربيّاً ضجيجُ الجهل الصارخ، إلى حد وجود نصوصٍ تقول بأن الذكاء الاصطناعي «تقنية بدون جدوى»، وأن شركاتَه ستقول لنا قريباً: ضحكنا عليكم!

لا أدري شخصيّاً في أي كوكب يعيش من يكتبون ذلك!

ألا يكفينا كعرب منعُ الإمبراطورية العثمانية من استخدام المطبعة في ديارنا، من القرن 15 حتى دخولها سرّاً عبر جبل لبنان في القرن 18، وما سبّبهُ ذلك من تخلّفٍ حضاريٍّ عربيٍّ، لم نستطع ردمَه حتّى اليوم؟!

هل نحن مدانون فقط بأن نكون حقل تجارب وهزائم: شعوباً تُبادُ جماعيّاً بالروبوتات القاتلة (مسيّرات الذكاء الاصطناعيّ) التي تمحو مستشفياتنا ومدننا، وتصلُ إلى من تريد وهم في فرشان نومهم؟

ألم يحن الوقت لاستغلال فرصة الذكاء الاصطناعيّ التاريخيّة، للإسراع بتعليم الإنسان العربيّ وتطويره، والمساهمة بوعي في النقاش الدوليّ حول مستقبل الذكاء الاصطناعيّ؟

لا سيّما وأن هذا المستقبل بإمكانهِ أن يكون قاتماً جدّاً!

إذ بإمكان الذكاء الاصطناعيّ أن يكون نقمةً على البشرية، بل اخطبوطاً يقود إلى فنائها، إذا استمرّ عرّابو «وادي السيلكون» وكبار قوى المال قيادة دفّته وتقرير اتجاهات تطوّرِهِ، حسب أهوائهم ومصالحهم، وتنافسهم العنيف لِمزيدٍ من الأرباح بأيّ ثمن، دون أن تلعب الدول (كما تفعل وهي تدير شؤون الطاقة النوويّة) دوراً رئيساً في تحديد مبادئه، وتنظيم برامجه المستقبليّة، وتوجيه قواعد عمله.

يجدر الإشارة هنا أنّ الجدل يدور اليوم، على نحوٍ كثيفٍ دائم، عن طبيعة الذكاء الاصطناعيّ (الذي لا ناقة لنا، كعرب، فيه ولا جَمَل) الذي نريده لِلمستقبل.

لن أدخل في تفاصيل هذا الجدل، من زاوية القضايا التقنيّة التي ستُحدِّد معالمَه القادمة، كضرورة شفافية خوارزميات الذكاء الاصطناعيّ التوليديّ، وضرورة أن تكون ذا «منظومات مفتوحة» …

سأكتفي بتحديد المبادئ العليا التي يلزم برمجتُها في أحشاء ذكاءٍ اصطناعيٍّ حنون، لِيكون «أمَّ الإنسانية» مستقبلاً، حسب تعبير تييري لو تيلييه (صاحب جائزة غونكور 2020 عن روايته الشهيرة «انحراف» Anomalie)، في مقاله في مجلة NRF «Big Mother is watching you»: الأم الكبرى تراقبكم!

لعلّ أبرز هذه المبادئ، أو ما تسمّى القوانين الثلاثة للروبوتات، هي ما وضعه العالِم والروائي الأمريكي الروسيّ إسحاق عظيموف، أحد أهمِّ آباء أدب الخيال العلميّ، في قصته الشهيرة (دائرة مغلقة/حلقة مفرغة) سنة 1942؛ قبل أن تصبح أساسًا لكثير من قصصه عن الروبوتات، ومنطلقاً لروايات التخييل العلميّ الحديثة عموماً. 

القانون الأول: لا يجوز للروبوت أن يؤذي إنسانًا، أو أن يسمح، من خلال تقاعسه، بأن يلحق الأذى بإنسان.

القانون الثاني: يجب على الروبوت أن يطيع أوامر البشر، إلا إذا تعارضت هذه الأوامر مع القانون الأول.

القانون الثالث: يجب على الروبوت أن يحافظ على وجوده، ما دام ذلك لا يتعارض مع القانون الأول أو الثاني. 

لم يكتفِ عظيموف بهذه القوانين: أدرك أن قانوناً رابعاً جوهريّاً ينقصها، أسماه: «القانون صفر»: لا يجوز للروبوت أن يؤذي البشرية، أو أن يسمح، من خلال تقاعسه، بأن يلحق الأذى بالبشرية.

لعلّ هذا المبدأ تحديداً هو منبع فكرة «الذكاء الاصطناعيّ، أمّنا الحنونة».

لا يتوقف عن المناداة ضمناً بالالتزامِ به صاحبُ جائزة نوبل في الفيزياء (بفضل إسهاماته في «التعلّم العميق بالعصبونات الاصطناعيّة»): جيفري هينتون، ورفيقه صاحب جائزة آلان تورنج: يوشويا بينجيو، الذي يقود اليوم مشروعاً اسمه يشرح نفسه: «القانون صفر»!

بطبيعة الحال، لو تمّ غرس هذه المبادئ كمبيوتريّاً في جينات الذكاء الاصطناعيّ، والالتزام بها كقوانين، لما حدثت تراجيديّة الإبادة الجماعيّة في غزّة بالروبوتات القاتلة (كانت هذه الروبوتات موضوعاً رئيساً في روايتي «جزيرة المطفِّفين»، منشورات المتوسط، وذلك قبل انتشار هذه الروبوتات بشدّة في الأربع السنوات الأخيرة).

أمّا إذا تحوّلت هذه الروبوتات، في عصر الذكاء الاصطناعيّ «الفائقِ» القادم، الذي تحدثنا عنه في مقالٍ خاص في «القدس العربي»، إلى روبوتاتٍ مستقِلّةٍ كليّةً عن إدارة الإنسان (كما هو الحال في نهاية روايتي الاستباقيّة «جزيرة المطفِّفين») فالوبال الكليّ الماحق هو الأفق الجهنميّ الأكيد للإنسانية.

لكلِّ ذلك، في غاية الضرورة المساهمةُ اليوم في الجدل العالميّ، حول طبيعة الذكاء الاصطناعيّ الذي نريده للمستقبل، خاصّة منّا نحن العرب: أكبر ضحاياه المعاصرين، وذلك بغية برمجة هذه المبادئ الأخلاقية في صلب منظومات الذكاء الاصطناعيّ القادمة، كما لو كانت «غرائز أموميّة»!

هي وحدها من ستضمن حماية مستقبل الإنسانية من التهلكة، تحت رعاية أمِّنا الاشتراكية الحنونة!