نحو المواطنة المتساوية وحرية الضمير في اليمن
(مداخلتي في ندوة «يمن المواطنة المتساوية وحرية الضمير»، التي نظمها «مجلس الأقليات في اليمن»، بتاريخ 22 مارس 2026)
حبيب سروري
لنبدأ بمفهوم راقٍ جداً يتجاوزُ مفهومَ «حريّة المعتقد». أقصدُ: «حريّة الضمير».
ما الفرق بين هذين المفهومَين الذي يخلط الكثيرون عادةً بينهما؟
إذا كان مفهوم «حريّة المعتقد» يسمح بقول «نعم» لمحتوى هذا المعتقد الدينيّ أو الأيديولوجيّ أو ذاك، أو بعدم الاعتقاد أو بتغيير المعتقد؛ فحرية الضمير تذهب أبعد وأعمق من ذلك بكثير:
تسمح بقول «لا» لأيِّ تقليد أو ممارسة أو موقف أو نصّ داخل هذا المعتقد أو ذاك، هذا القانون أو ذاك، هذه الفلسفة الأخلاقية أو تلك؛ وذلك من وحي ضمير الفرد (وليس عبر الانتماء لِموقفِ قطيعٍ فكريٍّ ما بالضرورة).
أي أنها ليست حريّة اختيارٍ موضوعيٍّ فقط، لكن حريّة اختيارٍ ذاتيٍّ في الأساس.
تسمح حريّة الضمير لذلك بالتعبير عن أيّ عصيان أو رفضٍ أو موقفٍ أخلاقيٍّ، باعتبار أنّ الأخلاقَ الإنسانيّة غايةٌ بحدِّ ذاتها.
غايةٌ بحدِّ ذاتها، وليست وسيلة نفعيّة في بورصة الحسنات والسيئات، كما تراه كلّ الديانات. لذلك تعتبر الأخلاق الإنسانيّة أرقى من كلِّ الأديان.
هل مُورِست «حريّة الضمير» يوماً في اليمن؟
نعم، في عصر عدَن الذهبيّ، بين منتصفي القرن الـ 19 والـ 20. كانت هناك تعدّديّة دينيّة وثقافيّة: مسلمون سُنّة وزيود وشيعة، كنائس متنوِّعة انغليكانية وكاثوليكية وأرثوذكسية وبروتستانتية، معابد يهودية (حوالي 20 ألف يهوديّ عاش في كلِّ محمية عدَن آنذاك، وكانت لهم مدارس دينيّة خاصة أيضاً)، معابد هندوس، وبهرة (فرقة إسماعيلية تشترك في الأصل مع إسماعيليّ صنعاء)، وزرادشتيين (بارْسيين Parsi)، سيخ Sikhism، جاينيين Jainism، وغيرهم.
حتى المحافل الماسونية كان لها مقرٌّ في عدَن، سُمِّيَ شعبيّاً: «بنجلة الشيطان» (أي: عمارة الشيطان، بتهمة اختطاف الأطفال فيها!)، صار بعدها مقرّاً للتنظيم السياسي الموحد الجبهة القومية!
ارتبطتْ حرية الضمير في عدن الكوسموبوليتيّة حينها بحاجة نشاط الميناء (كان ثاني ميناء في العالَم في تواتر رسو السفن، في عام 1958، بعد ميناء نيويورك) والتجارة، وضرورة انفتاحهما على العالم. لكنها كانت غيرَ مؤسَّسة قانونيّاً، هشّةً بالضرورة، وغيرَ متجذِّرة في الثقافة الشعبيّة وأفئدة الناس حقّاً.
لذلك سقطت هذه الحريّة بعد سنوات قليلة من الاستقلال في 1967، مع اضمحلال التعدّد الثقافيّ والدينيّ في المجتمع، وسيطرة أيديولوجية الحزب الواحد.
كم نحتاج اليوم إذن إلى تذكير الناس في كلِّ اليمن بذلك العصر الذهبيّ لحرية الضمير في عدن، وإلى لعب الأدباء والمثقفين دوراً في إحياء ثقافتها من جديد، وإلى سعي الأحزاب السياسية إلى تشريعها، بدءاً بـنبذ الممارسات التاريخية السامّة مثل «حدّ الردّة».
انتقلُ الآن إلى مفهومٍ جوهريٍّ آخر: المواطنة المتساوية، أي المساواة في الحقوق الاجتماعيّة والسياسيّة والمدنيّة لجميع السكّان.
أحتاج هنا للتذكير بتاريخ مفهوم المواطنة أوّلاً، للاستلهامِ منه، كونه تاريخَ تطوّرٍ فكريّ ونضالٍ اجتماعيٍّ سياسيّ معاً.
سأفعلُ ذلك في ملحق صغير في نهاية مداخلتي.
لتحقيق المواطنة المتساوية يلزم البدء بالاعتراف الرسميّ بأوضاع الفئات المهمّشة أو المضطهدة.
لعلّ في مقدمتهم من يُسمّون شعبيّاً، للأسف، بِـ «الأخدام»: طبقة اجتماعية محتقرة غالباً، في أسفل السلّم الاجتماعي، تعاني من اضطهادٍ طبقيٍّ وعرقيٍّ حقيقيّ.
قضيّة هؤلاء المهمّشين متأصِّلة، مؤلمة جداً: لا توجد أيّ سياسة، من قبل كل الحكومات الفاسدة التي توالت على اليمن حتّى الآن، لإدماجهم في المدارس، في المنح التعليمية والجامعات. لا توجد قوانين تمنع التمييز العنصريّ ضدّهم في العمل، الزواج والسكن… ولا أي محاولات لِتغيير ثقافة المجتمع في النظر إليهم، عبر تنوير الفكر والأدب والفنّ وكفاح المثقفين.
كذلك حال المرأة أيضاً. غيابُها عن مركز القرار يفقأ العينَ المجرّدة، بما في ذلك عن قيادة الأطر الشكليّةِ المخصّصةِ لها، مثل «اتحاد نساء اليمن» (لا أعرف هل توجد بلدان أخرى يترأسُ الرجالُ فيها فروعَ «اتحاد النساء»، مثل حال اليمن!).
التدخّلُ في مكياجها وملابسها وحريّتها الخاصة مثيرٌ للتقزّز، يلزم تشريعُ منعِه سريعاً.
ملابسُها الحالية، لا سيّما النقاب السائد منذ حرب 1994، دخيلة على عدَن، فرضَها الظلاميون فرضاً، ولم يفعل أحدٌ بعدُ ما يلزم للعودة إلى تقاليد عصرٍ مدنيٍّ سبق الهجومَ الظلاميّ على عدَن. بل تجرّأ «المجلس الانتقالي» على استعراض كتيبةٍ من المنقّبات، على نحوٍ داعشيّ لم تعرفه عدَن قبل غزوة 1994، في «ساحة العروض» قبل أشهر!
مبدأُ مساواتِها بالرجل ضرورةٌ مدنيّةٌ اليوم. يمكن استلهامُه مجدّداً، ليس من زمن الاستعمار البريطاني مثل «حريّة الضمير»، لكن من زمن النظام الاشتراكيّ الذي كان لهُ الفضلُ التاريخيُّ في تشريع قانونٍ مدنيٍّ رائعٍ حديث في عام 1974: «قانون الأسرة».
حان الوقت اليوم للاتّكاء عليه، أو العودة إليه؛ وإن كان لذلك النظام الاشتراكيّ قوانينه الكارثيّة الشهيرة، مثل «قانون التأميم»، «قانون صيانة الوطن» …
وهناك أيضاً الأقليّات الدينيّة الباقية تحت سماء اليمن، بعد أن أصيبت التعدديّة فيها بأنيميا قاتلة.
أحدثُهم تاريخيّاً: البهائيّون. ينتمون لِدينٍ جديدٍ ظهر في القرن 19، يلزم احترامه ومعاملته مثل بقية الأديان. يعاني أفرادُه من اضطهادٍ وسجنٍ وتنكيل من عصابة الحوثي العنصريّة في صنعاء.
لن يتمّ حلُّ قضيّة البهائيين، كما يبدو، إلا بالتخلّص أولاً من نظام العصابة السلاليّة، وبتشريع حرية الضمير والمواطنة المتساوية معاً.
ثم هناك يهود اليمن! مغادرتُهم أو طردُهم من بلادِهم الأصليّة كان كارثةً حقيقيّة، لأنهم ظلّوا متجذِّرين في هذه الأرض منذ أكثر من 2000 سنة! لم يكن في نيّتِهم الخروج من اليمن لولا الاضطهاد العنصريّ من أكثر من إمام في شمال اليمن، آخرهم إمام عصابة الحوثي؛ ولولا ما أصابهم من ويلات في عدن في عام 1947.
كلُّ حضارة حِميَر في «الجنوب العربي» (من نجران إلى عمان) قبل الإسلام كانت يهوديّةَ المذهب في الغالب.
بعضُ ملوك حِمير كانوا يهوداً، مثل المتطرفِ «يوسف ذو نوّاس» مرتكبِ «محرقة نجران» للمسيحيين في القرن السادس، أو أبوكرب أسعد: أوّلِ من يَهْوَدَ البلاطَ الحميريّ في القرن الرابع.
تواجدَ اليهودُ في مناطق كثيرة في شمال اليمن، وكانت نسبتهم مهمّةً جدّاً من عدد سكان عدَن، حتى منتصف القرن العشرين.
مارسوا وبرّزوا في كلِّ المهن: صياغة المجوهرات، التجارة، المعمار، الدباغة والنجارة والزراعة، صقل الحديد وصناعة السيوف… بل ظهر فيهم أيضاً مؤلِفون مهمّون مثل داوود بن عمران العدني، مؤلف كتاب «المشنا»: «مدراش داوود» أهمّ كتاب في تفسير وشرح اليهوديّة؛ زكريا الظاهري: شاعر ورحّالة من كوكبان؛ سليمان بن داوود العدني (فقيه يهوديّ) …
يا لِهولِ خسارة اليمن جرّاء الهجرة القسريّة لأبنائها اليهود! ويا لحظّ الدول التي استفادتْ منهم!…
ختاماً: جليٌّ اليوم أن انحسار التعدديّة وروح التعايش الإنسانيّ، لأسبابٍ قمعيّةٍ وعنصريّةٍ ودينيّةٍ متطرفة، أصاب اليمن بمرضٍ عضال، تفاقمَ مع وجود عصابة الحوثي الإجرامية الظلاميّة على نحوٍ خاص.
لكلِّ ذلك، وللانطلاق نحو عصرٍ حضاريٍّ جديد، نحتاج سريعاً إلى العودة ليمنٍ متسامح، مفتوحٍ على الآخر، يرفض العنصريّة والتقاليد الظلاميّة، يستعيدُ كلَّ أبنائهِ المشرّدين وأقلياته المنبوذة، يضمن حريةَ الضمير والمواطنة المتساوية للجميع.
دور التعليم والأدب والفن جوهريٌّ في ابتكار وهندسة هذا المجتمع المدني الحديث، أكثر من أيِّ وقتٍ مضى…
=======
ملحق:
تاريخ المواطنة المتساوية:
ابتكرَ الإغريقُ هذا المفهوم وطبّقوهُ فعلاً، لا سيما في القرن الخامس ق.م، قرن عزِّ أمجاد حضارتهم. غير أنه كان مقصوراً على الأحرار الإغريق فقط: كان يحقّ لهم الترشّح والانتخاب للمناصب الإدارية، والتصويت على القوانين والحروب.
لم تُعمّم المواطنة حينها على النساء والعبيد والأجانب.
ثمّ وسّعت الإمبراطورية الرومانية (27 ق.م – 476 ب.م) تطبيق المفهوم على الأجانب الذكور فقط.
بعد سقوط الإمبراطورية على أيدي الجرمان (كانت حينها قد سادتها الديانة المسيحية)، بدأت القرون الوسطى.
حدث تفتّتٌ إقليميٌّ وتقهقرٌ حضاريّ: صارت السلطةُ مركزيّةَ جداً بدون انتخابات، أو مشاركة بالسلطة (إلا في حالات نادرة في أواخر القرون الوسطى، في بعض مدن إيطاليا كفلورنسا).
من جانبٍ آخر، سادت الديانةُ الإسلامية، في القرون الوسطى، أراضٍ شاسعة شرق أو جنوب الديار المسيحية.
ارتبطت حياة السكّان في تلك القرون، في كل العالم، بالحاكم المعيّن من الملك أو الخليفة، أو بالنبلاء والإقطاعيين، بعيداً عن مفهوم المواطنة.
جاءت الثورة الفرنسية في 1789 لتبدأ عصراً إنسانياً جديداً يعيد مفهوم المواطنة إلى الواجهة، مع بيان «حقوق الإنسان» الذي يبدأ بـ: «يولدُ الناس أحراراً ومتساويين في الحقوق».
ثمّ اتسمّ القرنُ التاسع عشر والعشرين بكونهما قرنَي نضال المرأة للمساواة مع الرجل، وتحرير العبيد. وذلك بجانب تحقيق مكاسب اجتماعيّة للطبقات العماليّة الكادحة تحت تأثير الأفكار الماركسية…
ساهم الأدباء والفنّانون والفلاسفة في هذه الثورة الإنسانية التي أوصلتنا اليوم إلى عصر الحداثة.
يلزم الإشارة إلى أن مفهومَي «المواطنة المتساوية» و«حرية الضمير» متواشجان تماماً. يندمجان على نحوٍ متناغم في أطار «الدولة العلمانية» الحديثة التي يضمن دستورُها تطبيقَهما معاً.
بفضل هذه الدولة انتهت جذريّاً كلُّ الحروب الداخلية الطاحنة، الطائفية والدينية، التي اكتسحت تاريخَ أوربا طوال قرون.
الداخلية فقط! أمّا الحروب والعلاقات الخارجية (التي لا تندرج في نطاق مفهوم العلمانية كسياسة داخلية) فما زال يسودُها، لا سيّما اليوم كما نراه بأمِّ أعيننا، بطشُ وهيمنةُ القويّ على الضعيف، أي قوانين حياة الغاب.
من نافل القول إن ثمّة حاجة حضاريّة ماسّة لِتفعيل مبدأٍ وسلوكٍ حضاريٍّ أمميٍّ، على صعيد العلاقات الخارجيّة الدولية، نظيرٍ للعلمانية في فعاليتها الداخلية. لكن هل ستسمح «الطبيعة الإنسانية» بذلك يوماً؟: سؤالٌ مفتوح، لا أمتلك الردَّ عليه!
