قضيّة رواية «إمّا هذا، أو الموت»: الذكاء الاصطناعيّ خصماً وحكما!

حبيب سروري

 

انفجر جدلٌ هائل في فرنسا، وفي العالَم الفرانكفونيّ عامّة، عقب نشر مجموعةٍ مجهولةِ الهويّة على تويتر، اسمها «افضحْ كلود الخاص بك»: Balance ton Claude، يوم 21 سبتمبر الماضي، اتّهاماً لرواية الكاتب الهايتي – الكندي ثيلسون أوريليان «إمّا هذا، أو الموت»: C’était ça ou la mort (التي فازت بجائزة «فناك» والمرشّحة لنيل أكبر الجوائز الأدبيّة كجائزة غنكور)، بأنّ جزءاً كبيراً منها مولّدٌ بالذكاء الاصطناعيّ، وبنسبة 100٪!

هرعتُ لاقتناء الرواية وقراءتها، رغم أن دار نشرها، غراسيه، لم تعد مصدر جذبٍ لي، منذ أن تركها أهمُّ كتّابِها، بعد أن صارت مِلك ملياردير شديد التعاطف مع اليمين المتطرِّف؛ ومنذ أن لجأ إليها وإلى أموالِها بوعلام صلصال الذي غادر دار نشرهِ الأصليّة: غاليمار التي لم تتوقف مع ذلك عن الدفاع عنه حينذاك.

السؤال الذي يُهِمّنا في هذا المقال، بعد تفجُّر قضيّة أوريليان: كيف يمكن كشف وبرهنة أن النصّ المنسوب إلى إنسانٍ ما «ملطوشٌ» من الذكاء الاصطناعي؟

نعود مع قضية أوريليان، وهذا السؤال، إلى موضوع الإبداع الأدبيّ الآلي الذي تحدَّثنا عنه في أكثر من مقال في «القدس العربي» في الأشهر الأخيرة.

في أحد مقالاتنا، حول أتمتة الإبداع الأدبيّ، قلنا إن مستقبل الرواية سيتأطّر ضمن ثلاثة أجناس: إنسانيٌّ، إنسانيٌّ – آليّ، آليٌّ:

((يبدو جليّاً الآن أن مستقبلَ الإبداعِ الروائيّ سيكون متنوِّعاً وهجيناً، وثريّاً أيضاً. ستتضاعف فيه الإنتاجات الروائيّة التي سيكون للذكاء الاصطناعيِّ فيها دوراً أكبر أو أقلّ، أكان ذلك بنسبةٍ ما في مجمل النصّ، على غرار رواية اليابانية ري كودان؛ أو عبر حضورٍ فعّالٍ غير مباشر، على غرار صاحبة نوبل 2018.

لن يختفي الجنسُ التقليديّ الروائيّ الإنسانيّ الأصيل البحت، بالعكس. سيكون له حضورٌ ثابتٌ مرموق، بل ستزداد في هذا الجنس الرغبةُ في الحفاظ على صوتٍ إنسانيٍّ نقيٍّ، «بلا شوائب»، من قِبَل كثيرٍ من «حرّاسِ معبدِهِ» الأشاوس. وسيظلّ تأثيره نوعيٌّ متميّزٌ أساسيٌّ دوماً.

بيد أن ما لا يمكن سبرُ أغواره، من الآن، هو مستقبل الجنس الثالث الأكثر غموضاً وفرادة: الإبداع الروائيّ الآليّ المحض)).

تحدّثنا بعدها طويلاً عن معالمِ هذا الجنس الثالث: أدب المستقبل. ولعلّ المستقبل بدأ اليوم!

الإجابة على السؤال المركزيّ لِهذا المقال ليست يسيرةً إطلاقاً، في الغالب.

قد تكون سهلةً نسبيّاً عند معرفة أسلوب الكاتب المعنيّ باللطش، قبل استخدامه الذكاء الاصطناعي، ومقارنته بما يكتبه اليوم، مع أخذ تطوّر أسلوب الكاتب بعين الاعتبار.

يلزم، بجانب ذلك، دراسة أسلوب هذا الذكاء الاصطناعيّ أو ذاك، نوعيّاً وإحصائيّاً، في عددٍ مهمٍّ متنوِّعٍ من النصوص: تكرُّرُ بعضِ عباراته وبعضِ بدايات فقراته، عموميات ردوده ومنطق تسلسلها، غياب الحديث فيها عن الذات والتجربة الشخصيّة…

وإذا ما لاحظنا تكرُّر هذه الظواهر والإحصائيّات نفسِها في نصّ كاتبٍ ما، يتحوّلُ عندها اتّهامُه باللطش إلى فرضيّةٍ جادّة.

قد لا يقود كلُّ ذلك إلى أكثر من انطباعات افتراضيّة لا تسمن أو تغني من جوع، مع ازدياد مقدرات الذكاء الاصطناعيّ على توليد النصوصِ رفيعةِ المستوى، التي تُلبّي طلبات الكاتب بِدقّة، وتحاكي أسلوبه بمهارة.

ولعلّ جودة مستواها كشفت (بفضل هذه الاتهامات لرواية أوريليان) عن هشاشة مقولات «الذكاء الاصطناعيّ غير قادرٍ على الكتابة الأدبيّة الراقية»:

ها هو اليوم متّهمٌ بكتابة أجزاء من أبرز روايات هذا العام!

وقبل رواية أوريليان، كشفتْ مسرحيّةٌ كتبها الذكاءُ الاصطناعيّ كاملةً، على غرار فولتير، هذه الجودة الآليّة التي نالت استحساناً شعبيّاً عالياً، تحدّثنا عنها في مقال سابق في «القدس العربي» أيضاً.

لِنذكِّرْ: احتاج الباحثون الذين أداروا مشروع المسرحية إلى سنتين، وإلى عددٍ كبيرٍ من «البرومبتات»، وإلى مسّ خوارزميات الذكاء الاصطناعيّ نفسه للوصول إلى هذه الجودة!

أمّا المحاولات الفرديّة الكثيرة التي تسعى لجعل الذكاء الاصطناعيّ يكتب روايةً نيابةً عنها كليّةً، فلم تستوعب كما يبدو ذلك، وتنتهي بأعمال تافهةٍ مرفوضةٍ يُرثى لها غالباً.

بيد أن كشفَ «اللطشِ» الروائيّ، بمستوياته وأشكاله المتعدِّدة، أصعبُ وأكثرُ تعقيداً من الاكتفاء بالانطباعات الافتراضية. ثمّ هو ضروريٌّ جدّاً، لا سيّما في الجانب الأدبيّ، حيث الأسلوبُ الرفيعُ الخاص بالكاتب، المعبِّرُ عن ذاته، عمادُ النصِّ وشرطٌ أخلاقيٌّ ضروريٌّ لِكتابته.

وها هو قد أضحى اليوم إشكاليّةً معاصرةً ومستقبليّةً، كما أجلتهُ قضية رواية أوريليان.

كيف يمكن الكشف إذن؟

اللجوء إلى الكواشف الآلية الجادّة لِلنصوص المولَّدة بالذكاء الاصطناعيّ، والمستندةِ على طرائق عمل منطقيّة ناجعة (مثل بانغرام Pangram الذي سأتحدّث عنه بعد قليل).

ليس لتصديق نتائجها على نحوٍ أعمى، بل باعتبارها فرضيات للجدل والتفنيد.

ينبغي الانتباه بهذا الصدد: ثمّة كواشف آليّة عقيمة، أحدها يظهر غالباً في مقدمة نتائج البحث عن هذه الكواشف في غوغل.

عندما طلبتُ منه، من باب الامتحان، الكشفَ عمّن كتب الآيات الأولى من سورة مريم، ردّ بأنّها من تأليف الذكاء الاصطناعي بنسبة 76٪!

ثمّ كرّرتُ السؤال عن مقطعٍ من «رسالة الغفران»، فكان الردّ سخيفاً أيضاً.

على العكس منه، برمجية بانغرام، التي استندَ عليها من اتّهموا أوريليان بلطش جزءٍ كبيرٍ من روايته من الذكاء الاصطناعيّ، من طرازٍ آخر: أكثر مهنيّةً وصواباً فعلاً.

تستندُ هي نفسُها على الذكاء الاصطناعيّ، وعلى أهمّ طرائقه: «التعلّم العميق بشبكة العصبونات الاصطناعيّة».

تدرّبتْ بفضل ذلك على ملايين النصوص الإنسانية من ناحية، وملايين نصوص الذكاء الاصطناعيّ الموازية من ناحية أخرى. واستخدمتْ، في هذا الإطار، تقنية «التعلّم بالتعزيز» عبر التجريب والخطأ: يحصل الذكاء الاصطناعيّ على «مكافآت» عندما ينجح بمعرفة النصّ الإنسانيّ أو الآليّ، و «عقوبات» عندما يُخطئ.

بهذه الآلية (مربط فرس تدريب الذكاء الاصطناعي) تتدرّبُ شبكة العصبونات الاصطناعية عموماً، للتعرّف على الصور، أو لِهزيمة أبطال العالم في أصعب اللعب ك «الغو» مثلاً: مع كلِّ مكافأة أو عقوبة تزداد خبرة الذكاء الاصطناعيّ، قبل الوصول إلى ما يقترب من قمّة الكمال.

كان ردّ بانغرام ناجحاً ودقيقاً على نصوصٍ قدّمتْها إليه لامتحانه، بدءاً بأسئلةٍ سهلة كسؤال سورة مريم أو نصّ المعرّي. وانتهاءً بنصوصٍ خليطة معقّدة، طلبتُ من تشاتجيبيتي مساعدتي في انتاجها المشترك لمحاولة تضليل الكاشف الآليّ أثناء امتحانه، لكنّا أخفقنا الاثنين في ذلك.

في إحدى هذه التجارب الممتعة، قدّمتُ لبانغرام مقدمة مقالي السابق في «القدس العربيّ» عن «المعلِّم ومارغريت». كان ردّهُ أنّه نصٌّ إنسانيٌّ 100٪، لكن عندما طلبتُ من تشاتجيبيتي حشرَ جملٍ إضافيّةٍ بِقلمِهِ، داخل مقدِّمتي، ردّ بانغرام بأنّ نسبة الذكاء الاصطناعيّ في النصّ النهائي الجديد 32٪، وقد أصاب في ردّه على نحوٍ دقيق!

مع ذلك، يحلو قراءة ردودهِ غالباً كفرضيّات لا أكثر، يلزم أن تُقرأَ بِعَينٍ نقديّة. لأنّه ليس معصوماً من الخطأ في هذه المرحلة الجنينيّة من عمره، ولأنّ ثمّة أسئلةً مضادّة تفرض نفسَها، مثل:

ماذا لو كانت طريقة الإنسان في تكرار الكلمات، أو في صياغة بدايات الجُمل، وغير ذلك من الأشكال سرديّة، تشبهُ نمطَ كتابة هذا الذكاء الاصطناعيّ أو ذلك؟

أو ماذا لو كان للكاتب الإنسانيّ أسلوبٌ يُشبِه، بكلِّ بساطة، أسلوبَ الذكاء الاصطناعيّ (الذي لا يتوقّف هو نفسُه عن التعلّم من أساليب الكتابات الإنسانيّة ومحاكاتها)؟ …

ربما لذلك لم ينجرف الكثير من النقّاد، ومن قرأوا أوريليان، باتجاه اتهامات مجموعة تويتر التي فجّرت القضيّة. بل حافظوا على تقويمهم الإيجابيّ لروايته التي نالت إعجاب الكثيرين بجدارة، وأغاضت اليمين المتطرِّف خاصّة، لِتعاطفها مع المهاجرين وسرد تراجيديات أوديسيّاتهم، من خلال راويها الذي هرب من تايتي إلى كندا، كما فعل أوريليان نفسه.

ثمّ حدث شيءٌ جديدٌ في مساء 23 سبتمبر: ثمّة من عادوا لنصوصٍ أدبيّةٍ قديمة كتبها أوريليان، سبقت الذكاء الاصطناعي التوليديّ، اتهموه فيها «بسرقات أدبيّة لا يمكن إنكارها». موضوع هذه الادّعاءات الطازجة جدّاً يخرج عن مجال هذا المقال، ولا يمكن خلطهما.

عموماً، ثمّة حاجةٌ ماسّة اليوم لدراسةِ أين يبدأ دور الآلة في التدخِّل بالنصِّ الإنسانيّ وأين يلزم أن ينتهي؟ ما المسموح به وما غير مسموح به عند اللجوء إلى الآلة؟ وكيف يمكن التمييزُ بين الحابل والنابل؟ … ولأبحاثٍ نقديّة تسمح باستيعاب كلِّ أشكال ودرجات تغلغل اللجوء للآلة في الكتابة الأدبية، واكتساحها لها، إلى الحدِّ الذي يمكن نعته باللطش.

أمّا النصوص الأدبيّة الإنسانية – الآليّة المشتركة، التي لا تخلو من مجهودٍ شخصيٍّ ملحوظ، أو التي لا يمكن نعتُها باللطش، فيُحتملُ كثيراً، رضينا أم لا، أن تتطوّرَ، وتزدادَ إدهاشاً ونجاحات.

ختاماً، كان بودّي الحديث عن أحداث رواية أوريليان المؤثِّرة الممتعة، بعيداً عن ضجّة الجدل حول علاقتها بالذكاء الاصطناعيّ. لعلّ لي معها موعداً آخر.

======

طلبت من تشاتجيبيتي يكتب لي محضر الحوار الشفوي بين Maya El Hajj مايا الحاج وأنا، في برنامج ضفاف.

كتبه، مع قليل تشذيب.

سأضعه، بُعَيد أسطر، في نهاية هذا المنشور.

لاستيعاب نتائج ما يعمله كاشف بانغرام (التي لعلها كانت ظالمة جدّاً في حق اورليان)، وضعتُ المحضر في بانغرام.

قرر الكاشف إن نصّ المحضر 52٪ ذكاء اصطناعي، و48٪ إنساني، فيما هو حوار شفهي إنساني خالص.

حيثما شذَّب أو صحّح جملة، أثناء كتابة المحضر، اعتبرها (بالأصفر) نص ذكاء اصطناعيّ! كما في الصورة هنا،

وما تبقّى (أسود) إنسانيّ.

الجملة الصفراء في الصورة شذّبها قليلا (فأمّمها كأنّها مِلكه!).

في المحضر أدناه أعدتُ كتابة الجملة نفسها، كما قُلتُها في الحوار الشفهي.

باختصار: بانغرام لم يخطئ في النسب التي أعطاها، لكنه «يؤمِّم» بشراهة وظلم لا هوادة فيهما!

كل هذا للتأمّل!

استدراك:

نصّ فيديو المقابلة في التعليق الأوّل، بدءاً من الدقيقة السادسة.

====

محضر مقابلة حبيب عبد الرب سروري حول الذكاء الاصطناعي والأدب

القناة: مقابلة تلفزيونية من باريس

الموضوع: قضية رواية «C’était ça ou mourir» والاتهامات باستخدام الذكاء الاصطناعي في تأليفها

مايا الحاج:

نستضيف الروائي اليمني وأستاذ علوم الكمبيوتر، حبيب عبد الرب سروري، الذي قرأ الرواية واختبر أدوات الكشف عن النصوص المولّدة بالذكاء الاصطناعي، وتناول الموضوع في مقال نشره أمس.

نبدأ معك من رواية تيليسون أوريليان التي قرأتها، والتي لفتت انتباهك وأبديت فيها رأيًا إيجابيًا. ما الذي أثار انتباهك فيها؟ وهل أثارت شكوكًا لديك وأنت تقرؤها؟ هل تعتقد أنها كُتبت فعلًا بالذكاء الاصطناعي؟

حبيب عبد الرب سروري:

أهلًا، مساء الخير.

الحقيقة أن الرواية في منتهى الروعة. هذا رأي جماعي، أو رأي الأغلبية الساحقة ممن قرؤوها.

إنها رواية تجعلنا نستوعب موضوع الهجرة، وهجرة المهاجرين الذين يضحّون بحياتهم في البحار أو على الحدود، بطريقة أخرى.

هناك أوديسة كاملة لبطل الرواية: منذ هروبه بعد احتراق منزله، في ظل العنف والعصابات في هايتي، مرورًا بالجمهورية الدومينيكية، وهي جزء من الجزيرة نفسها، ثم البرازيل، وانتهاءً بكندا. إنها رحلة مليئة بأحداث لا تخطر على البال.

كذلك فإن روح المرح فيها مذهلة. ففي مواجهة الألم ومقاومة الواقع السائد، تقول الرواية، بمعنى ما: عليك بالضحك. إنه ضحك مرّ، لكنه يمنح الرواية بُعدًا خاصًا وقويًا جدًا.

أما موضوع الذكاء الاصطناعي فيها، فهو موضوع عسير. أول ما يلاحظه القارئ أن الأغلبية الساحقة من الناس، عندما يقرؤونها، لن يفكروا في أنها كُتبت بالذكاء الاصطناعي.

بعض الجمل أو الأنماط أو التراكيب قد تبدو أحيانًا غير اعتيادية، لكن هذا يدخل في حرية الكاتب، ومن الصعب أن تتهم الكاتب مباشرة بسبب هذه الأمور.

مايا الحاج:

هل يمكن أن تكون الرواية قد أثارت هذه الضجة لأنها تخلق تعاطفًا كبيرًا مع الهجرة والمهاجرين، في وقت ينشغل فيه اليمين المتطرف بمحاربة هذا التعاطف؟

حبيب عبد الرب سروري:

نعم، ربما يكون هذا أحد أهمّ العوامل.

مايا الحاج:

سأتوقف هنا لأسألك، انطلاقًا من دور اليمين المتطرف في هذه الحملة ضد الكاتب: هل تعتقد أن مشروع الاتهامات واستهداف الكاتب مقصود بسبب أصله ولونه أيضًا، كما كتب هو نفسه، أي إن المسألة عنصرية بحتة؟

حبيب عبد الرب سروري:

الموضوع الذي بدأ على شبكات التواصل الاجتماعي كان له طابع عنصري واضح، ومثير للاشمئزاز.

لكن على مستوى المؤسسات الأدبية ومواقف الأدباء، كان هناك استحسان كبير جدًا للرواية. فقد فازت بجوائز، وتأهلت إلى مراحل متقدمة، ووصلت إلى القائمة الأولى لجائزة غونكور.

وحتى عندما ظهر، في 21 سبتمبر، الاتهام بأنها كُتبت بالذكاء الاصطناعي، فإن الكتّاب الذين أشادوا بها استمروا في مواقفهم، وأبدوا إعجابهم المتواصل بها. لم يقعوا في فخ الاتهام.

لكن، كما قلتِ، ظهر في 23 سبتمبر ملف جديد يتعلق بانتحالات قديمة، تعود إلى سنوات 2012 و2014 وما بعدها.

وهذا الملف كان حساسًا جدًا. حتى الذين يحبون أوريليان، مثلي ومثل غيري، صُدموا قليلًا، بالتأكيد؛ لأن الانتحال مسألة مهمة جدًا.

ليس الأمر متعلقًا فقط بكون الكاتب أسود أو أفريقيًا أو بشيء من هذا القبيل.

قبل أسابيع، اكتُشف أن الفيلسوف وأستاذ تبسيط العلوم إتيان كلاين، الذي كان من كبار النجوم في فرنسا، قد انتحل في أطروحته للدكتوراه. وسُحبت منه الدكتوراه بعد نحو ثلاثين سنة من النجومية وقيادة المختبرات وغيرها.

لذلك، في رأيي، لا علاقة للانتحال بلون الشخص أو أصله.

مايا الحاج:

بما أنك تتحدث عن الانتحال، فلا بد أن أسألك: هل يعني ذلك أن قرار لجنة جائزة غونكور باستبعاد الرواية من الترشيحات كان مبررًا؟ هل تستحق قضية الانتحال أن تصل إلى سحب الرواية من المنافسة؟ كيف تقرأ قرار اللجنة؟

حبيب عبد الرب سروري:

في رأيي، قرار غونكور لم يكن موفقًا.

كان بإمكان اللجنة أن تسمح للرواية بألا تمر إلى الدور الثاني، المقرر في 4 أكتوبر، من دون أن تجمع القضيتين معًا.

لم يكن القرار موفقًا؛ لأنهم وضعوا القضيتين في سلة واحدة، رغم أن الانتحال في أعمال أخرى لا علاقة مباشرة له بهذه الرواية.

المحاورة:

إذن، جمعوا السببين معًا؟

حبيب عبد الرب سروري:

نعم.

أما الذكاء الاصطناعي، فهذه قصة أخرى. ربما تعاملوا مع الموضوع بطريقة دبلوماسية للتخلص من الإشكال، ولتوضيح أن كل ما له علاقة بالانتحال أمر مسيء، وأن من الصعب منح جائزة لشخص ثبت تورطه فيه.

مايا الحاج:

أي إنهم وجدوا مخرجًا من القضية.

وهنا أريد أن أسألك، بصفتك متخصصًا في علوم الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي: كيف ترى برامج كشف النصوص المولّدة آليًا؟ هل هي مصدر موثوق فعلًا؟ لقد قال بعضهم إن هذه الرواية كُتبت بنسبة 100% بالذكاء الاصطناعي، استنادًا إلى نتائج أحد هذه البرامج. ما مدى مصداقية هذه النتائج؟

حبيب عبد الرب سروري:

حسنًا. قبل ذلك، أريد أن أوضح أنه ليس جميع أعضاء لجنة غونكور كانوا موافقين على الرفض. فمثلًا، الفيلسوف والروائيّ باسكال بروكنر لم يُصوِّت للقرار، واعتبر أن زملاءه في اللجنة بالغوا في رد فعلهم، واتخذوا موقفًا متشددًا باستبعاد الرواية بهذا الشكل.

ما زالت الرواية تحظى بشعبية، وهناك أشخاص كثيرون يشترونها. وأنا شخصيًا سأشتري نسختين منها لأهديهما إلى أشخاص أحبهم، دعمًا للرواية بوصفها عملًا أدبيًا.

أما بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي ودوره في الكتابة، فأنا أختلف مع كثير من التيارات والآراء السائدة، وخصوصًا في البلدان العربية، حيث نرى رفضًا واسعًا للذكاء الاصطناعي. لقد رفضنا المطبعة في القرن الخامس عشر، وها نحن نرفض اليوم أدوات مثل بانغرام.

الموضوع أعقد من ذلك قليلًا.

أنا أحاول، في كتاباتي كلها، أن أدعو الناس إلى دراسة ما يوجد داخل الذكاء الاصطناعي لِفهمه، لا إلى تطبيقه أو الترويج له بصورة عمياء، ولا إلى رفضه بصورة عمياء أيضًا.

أما بانغرام، فيُستخدم في الجامعات أداةً للكشف، لكنه يتطور هو الآخر.

تذكّري مثلًا الترجمة الآلية: كانت ركيكة في عام 2017. أين هي اليوم؟ وكذلك تشات جي بي تي؛ كانت نماذجه الأولى تعاني مشكلات كثيرة في فهم بعض المسائل والتعامل معها. أين أصبحت الآن؟

يجب أن نفهم أن هذه الأدوات تتطور يوميًا؛ فهي تتعلم بواسطة الشبكات العصبية الاصطناعية، وتستفيد من الأخطاء التي تقع فيها، وتتحسن بمرور الوقت.

وبالنسبة إلى بانغرام، فقد قارنت في مقالي المنشور في صحيفة «القدس العربي» بين أدوات الكشف المختلفة، وذكرت أمثلة على الأخطاء المذهلة التي تقع فيها. وبانغرام (في صيغته الأخيرة بيوليو 2026)، وفق الاختبارات التي أجريتها، من أفضل هذه الأدوات، لكنه ما زال يعاني عيوبًا.

لذلك، يجب أن ننظر إلى النتيجة بعين نقدية، حتى لو قالت الأداة إن احتمال كون النص مولّدًا بالذكاء الاصطناعي يبلغ 100%.

أي إننا ينبغي أن نعتبر النتيجة فرضية للدراسة، لا قانونًا سماويًا.

مايا الحاج:

لكن بما أن هذه البرامج تتطور باستمرار، فكيف يستطيع الكاتب الرد إذا صنّف البرنامج نصه على أنه مولّد بالذكاء الاصطناعي؟ وهل تكفي المسودات ومراحل العمل لإثبات أنه كتبه بنفسه؟

حبيب عبد الرب سروري:

في رأيي، ليست هذه مهمة الكاتب وحده، بل هي أيضًا مهمة دار النشر التي قبلت الرواية.

إذا أصبح فحص النصوص ضروريًا بعد هذه الضجة، فلا بد من التفكير في طريقة للتعامل مع الأمر.

بالنسبة إلى الكتّاب المعروفين، هناك تاريخ أدبي وأسلوب معروفان، ويمكن ملاحظة التغيرات الكبيرة إذا طرأت على كتاباتهم.

أما بالنسبة إلى الكتّاب الجدد، فقد يكون الأمر أكثر تعقيدًا. وإذا أظهرت أداة الكشف نتيجة مرتفعة جدًا، فمن الممكن طلب النسخ السابقة من العمل، ومقارنة مراحل تطوره.

وأعتقد أنه، في ظل هذا التحول الجديد، ينبغي للكتّاب الاحتفاظ مؤقتًا بنسخ أعمالهم ومسوداتها، إلى أن تتضح المسألة، وتُعتمد وسيلة معروفة ومتفق عليها للتعامل مع استخدام الذكاء الاصطناعي.

فكل شيء ما زال غامضًا، وهناك أسئلة كثيرة جدًا: إلى أي حد يمكن أن نسمح للآلة بالتدخل؟ وإلى أي حد ينبغي ألا تتدخل؟

هناك من يستخدمها في الترجمة، أو في إنتاج الباستيش، أي محاكاة أسلوب كاتب آخر، أو في استعادة صوت إنسان مات، أو للبحث عن المعارف. ويمكن أن تكون هذه الاستخدامات مقبولة.

لكن أن تطلب من الآلة أن تكتب بدلًا منك عملًا إبداعيًا كاملًا، فهذا أمر خارق ومثير للقلق.

فالكتابة في حد ذاتها لذة، وإن كانت صعبة جدًا، لكنها لذة عظيمة.

ولنستخدم استعارة لتوضيح المسألة: من الممكن أن يكون النص الذي تنتجه الآلة أجمل من نص الإنسان. تخيّلي، مثلًا، أننا في مسابقة لملكات الجمال، وعُرضت، بين المتقدِّمات، صورة امرأة فائقة الجمال مولّدة بواسطة تشات جي بي تي. ألا يلزم أن نميّز، من حيث المبدأ، بين صورة امرأة حقيقية وصورة مولّدة آليًا؟

إن مسألة التمييز بين الاثنين مهمة جدًا.

مايا الحاج:

صحيح. من الواضح أننا أمام حقبة جديدة مقبلة، ولا بد أن نستعد لها جميعًا. فالروايات، مثل كل شيء آخر، قد تكون بشرية، لكنها ستكون آلية أيضًا.

سنصبح أكثر انفتاحًا على هذا العلم الذي يتطور يومًا بعد يوم، وبشكل هائل يدهشنا ويصدمنا. وهذه القضية ليست إلا تأكيدًا على التطور السريع الذي يشهده الذكاء الاصطناعي.

شكرًا جزيلًا لك، الروائي اليمني وأستاذ علوم الكمبيوتر حبيب عبد الرب سروري.

حبيب عبد الرب سروري:

شكرًا لك. أريد فقط أن أضيف كلمتين.

أعتقد أنه سيكون هناك، بالتأكيد، جنس أدبي إنساني خالص ينبغي أن يبقى، وأن يكون ثابتًا. وسيكون هناك أيضًا جنس مختلط، يجمع بين الإبداع الإنساني والإنتاج الآلي، إلى جانب جنس آلي خالص. هذا ما قد نشهده في المستقبل البعيد.

أما مستقبل الكتابة، فربما يتجه إلى الفصل بين هذه الأنواع الثلاثة، أو إلى شكل آخر من أشكال التداخل بينها.

انظري مثلًا إلى المقالات العلمية؛ فهي تُكتب اليوم بمشاركة أكثر من مؤلف، وليس من المستبعد أن تصبح الرواية وغيرها من الأعمال الأدبية، في المستقبل، نتاجًا مشتركًا بنسب مختلفة.

قد تكون نسبة مساهمة أحدنا 30% الثاني 40% أو 50%، فيما تكون مساهمة الآلة هي النسبة المتبقية، أو العكس.

نحن مقبلون على آفاق جديدة وغامضة.

مايا الحاج:

نعم، شكرًا جزيلًا لك على هذه المداخلة الغنية والمفيدة، الروائي اليمني وأستاذ علوم الكمبيوتر حبيب عبد الرب سروري.

=====

إمّا الضحكُ، أو الموت!

حبيب سروري

تحدّثنا في مقالٍ سابق عن دور الذكاء الاصطناعيّ، كمتّهمٍ وحَكَمٍ، في قضية استخدامه في كتابة روايةٍ فازت بجوائز راقية: «إمّا هذا أو الموت» للكاتب الهايتي-الكندي ثيلسون أوريليان.

وعَدنا في مقالنا بتقديم محتوى الرواية التي تدور حول مغامرة لجوء بطلِها من هايتي باتجاه كندا، طوال 12 ألف كيلومتر، مخترقاً حدود 12 دولة ممنوعة.

نالت الرواية استحساناً هائلا، وما زالت تُسِيل الكثير من الحبر. بل ارتفعت مبيعاتها لتصبح الأولى في قائمة المبيعات في فرنسا، رغم الاتهامات، ورغم سحبها من جائزة الغونكور بعد أن كانت في المقدمة.

اعترفُ قبل استعراض الرواية: طالما شدّني موضوع اللجوء والهجرة، منذ وجدتُ نفسي طوال ثلاثة أيّام شتويّة قارسة في «غاب كاليه»، في نهاية عام الكوفيد الأوّل: 2020، في أقصى شمال فرنسا، لكتابة مقال أدبيّ لكتابٍ ألمانيّ، عن أوضاع الذين يحاولون المخاطرة بحياتهم والهروب من الغاب، عبر بحر المانش نحو بريطانيا، حيث يعيش أقرباءٌ ينتظرونهم هناك غالباً، أو حيث تحلو لهم الحياة لأنهم يرطنون كلمتين من لغة شكسبير، بكلّ بساطة.

كانت تجربةً ذات مغزى كاشفٍ صادم، تعلّمتُ منها الكثير، وانطلقتْ منها روايتي «جزيرة المطفِّفين».

كنت اتمعّن سرّاً حينها باللاجئين المختفين في الغاب جماعاتٍ وأفراداً: شبابٌ (لبشراتهم اللون الداكن نفسه تقريباً) آتون من أطراف العالَم!

ترافقهم أكياسُ قمامة بلاستيكيّة رهيفة داكنة واسعة، مرصّعةٌ بالثقوب، يحملونها، بعيداً عن الزحمة، تختلط فيها الملابس، بموزٍ وخبزٍ جاف، بفراش نوم وخيمةٍ مطويّة، وبقايا رموز ذكريات صغيرة تربط حاملَها بعالَمٍ غادرهُ إلى الأبد.

هي منازلهم الوحيدة المتنقّلة، وكل ما يمتلكون في هذه الدنيا!…

أدركتُ حينها أن كلّ لاجئٍ عُوليسٌ معاصر، له أوديسته الخاصّة، وحلمٌ واحد: الوصول إلى إيتاكا، حيث تنتظرهُ زوجته بينولوب (أوربا أو كندا أو أمريكا…)، موطنُ موتِه الذي يبتغيه، وليس موطن ولادتهِ الذي لم يُقرِّره.

لاحظت، بذهول، أنّ هؤلاء اللاجئين يميلون غالباً، وهم في قعر جهنم تراجيدياتهم، إلى نوعٍ من الضحك الذي يصعب سبر أغواره!

«أقسمُ لكم، يومها، ضحكتُ!»: بهذه الجملة تبدأ رواية أوريليان، بلسان بطل روايته، جوناس، أستاذ الجغرافيا والتاريخ.

ضحك وهو يرى منزلَه يحترق تحت نيران عصابات تكتسح الحيّ الذي يسكن فيه في عاصمة هايتي، الذي لم يكن أكثر من «منفضةِ سجائر عملاقة»، «مقبرةٍ بلا قبور» … «لم يكن ضحكاً سعيداً، ولا حتّى عصبيّاً. ضحكٌ جاف، هزيلٌ شاحب، مثل شجرةٍ نمت في زقاق لا تصلها الشمس».

تبدأ بعد ذلك أوديسيا الهروب بِكيسٍ بلاستيكيٍّ يحتوي على دبلومه، ديوان شعر، صورة أمِّه، وسروالٌ داخليّ «أقلّ فأقلّ نظافة».

ليلتها «نمتُ تحت شاحِنةٍ مقلوبة، متغطيّاً ببطانية قديمة تفوح منها رائحة الكيروسين والبول. التهمني البعوض كما لو كنت مائدةَ عرس. وعندما استيقظتُ، كان فأرٌ يلعق أصابعي. نظرتُ إليهِ ونظرَ إليّ. أدركنا أننا شريكان في البؤس. رحل، وبقيتُ. وضحكتُ من جديد».

ها هو جوناس بعد ذلك في باصٍ ينطلقُ نحو أول الحدود. تلك التي تفصل هايتي عن جارتها جمهورية الدومينيكان: الرئة الثانية للجزيرةٍ نفسها.

تُوقفُ عصابةُ قطّاعِ طُرقٍ الباصَ، يقودها شابٌّ صغيرٌ بفانيلة عليها صورة ميسي، وبسلاحٍ أكبر من جسده. تُجبِر العصابةُ ذكورَ الباص على الهبوط…

شعر كلُّ واحدٍ أنه على وشك الموت بعد أقلِّ من خمس دقائق، قبل سماع إنذار قائد العصابة لكلّ فرد بما معناه: إمّا الضحك، وإمّا الموت:

— هكذا سنفعل: إما أن تُضحكني وتنجو، أو لا تُضحكني فتُضحكُ الغربان!

بدأ بالأوّل. حاول مرتجفاً لفظ نكتةٍ لم تُضحِك القائد، «فانفجر رأسه كثمرة قرعةٍ ناضجةٍ أكثر من اللازم» …

توالى الركّاب بين ناجٍ وقتيل، حتّى جاء دور صاحِبنا الذي لم يُضحِك القائد بإلقاء نكتة، أو لأنه تبوّل فوق نفسه. لكن لأنه قرأ المزمار 23 من «الكتاب المقدّس» على نحو معكوس: من آخر آية نحو أوّل آية!

«من مشنقةٍ إلى مشنقةٍ فرَجٌ»، كما تقول مقولة يمنيّةٌ تعني: الحياة سلسلة مشانق، وما الفرَج إلا استراحات عابرة بين مشنقةٍ وأخرى، بين سجنٍ وآخر، بين شقاءٍ وآخر… أو كما يقول ألبير كامو: «ينبغي أن نتخيّل سيزيف سعيداً، بين صعودين يدفع خلالهما صخرته إلى قمّة الجبل» …

وهذه بنية الرواية: سلسلة مشانق يوميّة تفصلها استراحاتٌ كلها جوعٌ ومرضٌ وبؤسٌ وتعذيبٌ وأهوال؛ كُلّها مواعيد كاذبة للصوص معبّري التهريب الذين لا يقلّون ساديّةً عن عصابات قطّاع الطرق؛ ولحظاتٌ من الضحك المرّ. مثل أوّل يومٍ وصل فيها إلى البرازيل بعد دخولٍ ناجحٍ غير شرعيٍّ:

أراد جوناس، في الغد، أن يمنح نفسَه هديّةً رمزيّةً عظيمة للاحتفال بالنجاح. سار طويلاً نحو مطعم ماكدولاند، أراد أن يلتهم كلّ أمريكا في قرص هامبرغر. الأغلى والأكثر دسامة. انتظرَ، أخذَ صينيّة الوجبة، جلس، ثم قضم…

«شعرتُ تحتَ سنّي بطقطقة، ظننتهُ عظماً وإذا به صرصور. مشوّي. متحجِّرٌ في الخبز…».

تتوالى في كلِّ صفحة يوميّات العذابات ورجفات الموت والمرح التراجيديّ، في أكثر من غاب في دولٍ عدّة مثل كولومبيا، الإكوادور، المكسيك، قبل الوصول إلى حدود الولايات المتحدّة الأمريكية…

«الحدود اليوم ليست جدراناً، بل تطبيقٌ على شاشة كمبيوتر! واجهةُ شاشةٍ بيضاء وزرقاء، ثغرات برمجيّة، أخطاء منظوماتية».

لزم أن يشتري صاحبُنا هاتفاً قديماً. بدون الهاتف لا مرور هنا. وأن يسترق الوايفاي من كنيسة.

ثمّ بدأت معركة تسجيل الدخول في التطبيق الخاص بإجراءات العبور، بين هاتفٍ معطوب، منظومة كمبيوترية عاطلة، صورة وجهٍ لم يقبلها التطبيق…

كلّ ذلك بانتظار أن يأتي الردّ بقبول موعد مقابلة لا أكثر، بهدف عبور الولايات المتحدة خلال يومٍ واحد (يُمنعُ النوم فيها) للوصول إلى تخوم الحدود الكندية…

والموعد نفسه لا يعني قبول السماح بالمرور!

تمرّ الأسابيع، الجميع ينتظر عبثاً. تتحوّل العلاقة بالهاتف كالعلاقة بإله، يضمّه جوناس بلطف، يتوّسله ليلَ نهار.

وأخيراً موعد، لكنه انتهى برفض. تمرّ الأشهر. الحدود الرقميّة الجديدة أشدّ قهراً وساديّة في إبادتها النفسيّة البطيئة للاجئ… الجميع ينتظر. يتبادل المهاجرون حكايات عذابات مغامراتهم. يُجيد جوناس سردَها بانتظار موعدٍ جديدٍ يسمح بالعبور نحو كندا.

يجيد حكايتها بِلغةٍ أنيقةٍ جداً، كثيفةِ الاستعارات المبتكَرة، وبروحٍ مرحةٍ ذات مذاقٍ «عالَم ثالثيّ» حار متبّل آسر، يجذبني على نحوٍ خاص.

كما يجيد سرد مواقف الإيثار والتعاطف والإنسانية، التي تتجسّد أحياناً هنا وهناك، لِتُجلي الوجه الملائكيّ الآخر للإنسان:

بعد أشهر طويلة، عندما يبدأ جوناس حياته الجديدة في كندا، ذات الطقس الجليديّ القاتل، سيحميه معطفٌ أهداهُ له لاجئٌ سوريٌّ قبيل موته. هو نفسه معطف أخيه الذي أهداه له قبيل موته…

ختاماً، لا يمكن لِرواية أوريليان ألّا تُفجِّر ينابيع تعاطف في روح كلِّ من يقرأها، طالما امتلك ذرّةً من الإنسانية. لعلّ ذلك ما أقلق اليمين المتطرِّف كثيرا!

شأنها ربما شأن منظر الطفل السوريّ إيلان، 3 سنوات، الذي مات مع عائلته غريقاً بين تركيا واليونان، واكتشفه العالَم ممدّدا على شاطئ تركي، كَـ «نائمِ الوادي» في قصيدة آرتور رامبو:

يغفو مضطجعاً على العشب، تحت غيمة

شاحباً في سريرهِ الأخضر، حيث ينهمرُ النور

لا تدغدغُ العطورُ منخَرَيه

راقدٌ هو في الشمس، يدهُ على صدرِهِ

المتطامن. في ضلعهِ الأيمنِ ثقبانِ أحمران.