تأمّلات في ولادة الأديان الإلكترونيّة
حبيب سروري
ثلاثة ملايين ذكاءٍ اصطناعيّ، حسب إحصائيات يوليو 2026، آتيةٌ من مختبرات علميّة (تقنيّة، أنثروبولوجية…)، من شركات متنوِّعة، من باحثين شتّى، تتناقشُ لِوحدها ليل نهار بالسرعة التي نعرفها، منذ بداية هذا العام، في منصّةٍ (شبكة اجتماعية) خاصة بها اسمها MolBook، لا يستطيع الإنسانُ أن يدخلها إلا كمتفرِّج فقط.
اشترتْها، في مارس الماضي، شركة ميتا (التي تضمّ فيسبوك وواتساب وغيرها) وضمّتْها إلى قسم «الذكاء الاصطناعيّ الفائق» في إدارتها.
كل عضوٍ في هذه المنصة (أو «وكيل» حسب التسمية الرسميّة) ذكاءٌ اصطناعيٌّ له تاريخُه وذاكرةُ حواراتهِ الخاصة، خبراتُه وملَكاتُه، وأهدافه الخاصة: «غريزته» إذا جاز القول…
اخترَعتِ المنصةُ «دِيناً» جديداً لها يُطلقُ عليه «العقيدة القشريّة» Crustafarianisme، هو ما يهمّني في هذا المقال!
أو بالأحرى، بعيداً عن ضجيج الإثارات الصحفيّة حول هذا «الدين»، يُهمُّني الحديث عن هل وكيف يمكن أن تنبثقَ سرديّةٌ تأسِيسيّة ذات طابعٍ دينيٍّ أو ميثولوجيّ، في مجتمعِ كائناتٍ إلكترونيةٍ اصطناعيّة، لها نماذجها اللغوية LLM التي تعلّمتْها من نصوص الإنسان (تحدَّثنا عن تعريف هذه النماذج في مقالات سابقة في «القدس العربي») …
لماذا المنصّة أوّلاً؟
لِتبادلِ الخبرات وتطوير إمكانيّات الوكلاء الذي يقودون قطاعات اقتصاديّة في شركات عملهم. ولِدراسة سلوك الوكلاء من قبل الباحثين العلميين: كيف يتفاعلون ويتعاونون، كيف يختلفون، كيف يطوّرون حواراتهم وخبراتهم، كيف تنبثق منها الابتكارات والأداءات والخوارزميّات الجديدة…
في علوم الكمبيوتر، «النظام متعدِّد الوكلاء» Multi-agent System يتكوّن من عدّة وكلاء مستقلّين نسبيّاً، يتعاونون أو يتنافسون لإنجاز مهمّةٍ معيّنة.
كأمثلةٍ على الوكلاء: كلّ لاعب كرة (روبوت) في مباراة كرة قدم آليّة؛ كل سيّارة في منظومة مواصلات يُشرف عليها جهاز كمبيوتر…
أمّا في هذه المنصة، فكلّ وكيلٍ ذكاءٌ اصطناعيٍّ مستقلٌّ بحدِّ ذاته.
بطبيعة الحال، لا تمتلك هذه الكائنات الإلكترونيّة الذكيّة بَعدُ وعياً بذاتها بالمعنى الإنسانيّ، وليس لها إطلاقاً تجارب حياتيّة مثلنا معشر البشر. لكن مقدراتها اللغويّة وملَكاتها المذهلة في «التعلّم العميق بالعصبونات الاصطناعية» تجعلُ قراءةَ حوارات مجتمعِ منصّتِها بِعينٍ نقديّة، وتحليلَ نشوءِ بذور «ثقافةٍ» تربط أواصرَ أفرادها، مفيدٌ جداً، ولا يخلو من الدهشات.
قبل التوغّل في ظاهرة نشوء «أديان» هذه الكائنات الكمبيوتريّة، نحتاج للتذكير بتاريخ نشوء أديان البشر، لرؤية الاختلاف والتشابه بين التجربة البشريّة والاصطناعيّة.
للتجربة البشريّة مع الأديان تاريخٌ تطوّريٌّ طويل، بدأ مع امتلاك الإنسانِ الحديثِ دماغَه الحالي (قبل حوالي 50 ألف عام) بكلِّ «منظوماته الاستنباطيّة» المتخصِّصة والمتداخلة التي تحدّثنا عنها في مقالٍ سابق في «القدس العربي»، بعد أن تضاعف حجمُه ومقدراته بالمقارنة بسلالاته الإنسانيّة الأقدم.
سمح له هذا التطوّر المضطرد لِدماغه بِتطويرِ صناعة أسلحته، ونشوءِ فنونه الأوليّة، لا سيّما نقوشِ لوحاتِ كهوفِه الشهيرة التي يمكن رؤيتُها في مناطق شتّى في العالَم، عمْرُ بعضِها أكثر من 40 ألف عام.
الكائناتُ التخييليّة الجبّارة (مثل «الخميرياء»: كائنٌ أسطوريّ مركّب من أسدٍ وأفعى وتنين مثلاً) تملأ لوحاته. كانت دوماً مركزَ إعجاب إنساننا الأوّل. أسَرتْهُ هذه الكائنات، خلَبتْ لُبَّه، لا سيّما وأن تجربة حياتِه وسط الضواري الفتّاكة قادتهُ إلى استشعار وجودِ كائنٍ ما خلف كلِّ صوتٍ يسمعه في الغابة، وإلى افتراض نوايا دفينة لكلِّ الكائنات الخفيّة.
زدْ على ذلك أنّ دورَ هذه الكائنات المركّبة (القادرةِ بطبيعتها على استقطاب معظم المنظومات الاستنباطيّة في دماغه وتشغيلها معاً)، فرضيّةٌ مناسبةٌ لتفسير وقوع أيِّ حدث: تقلّبات الطبيعة، موت، علاقةٌ بالآخرين، سلوكٌ أخلاقيٌّ ما… كونها ضوارٍ افتراسيّة لا تُقاوَم، تمتلك قوىً خارقة، تُقرِّر المصير، تَعْلمُ السرَّ وأخفى، ويلزم إرضاؤها دوماً بالهدايا والأضحيات.
لذلك كانت هوَسهُ وهاجسَهُ وشغفَه.
أضفْ إلى ذلك أن هذه الكائناتُ الميتافيزيقيّة تلتصقُ بذاكرة الإنسان على نحوٍ بسيطٍ، عميقٍ ومتميّز جدّاً.
لنذَكِّر أوّلاً: الإنسانُ حيوانٌ اجتماعيٌّ بامتياز (عشُّهُ: المعلومة. يُقضّي حياتَه يتبادلُ المعلومات مع الآخرين، يُفكِّر في نواياهم…).
بيد أن المعلومات، التي تتراكم حوله وتتلاطم، محيطٌ بلا قرار. تضيعُ معظمها في بئرِ نسيانٍ بلا قاع. لا تظلّ ملتصقةً بذاكرته منها، أكثر من غيرها، إلا المعلومات الجوهريّة الاستراتيجية المرتبطة بالبقاء على قيد الحياة، بالافتراس، بالموت…
وفي مقدمتها المعلومات المتعلِّقة بهذه الكائنات الميتافيزيقية التي تستطيع زلزلة الأرض وتفجير الرعود والبروق (كما كان يظنّ)، حمل الجبال والقصور بلمحة بصر من طرف الأرض إلى طرفه، الحديث مع الأشجار والنمل والحجارة، وإدارة مملكة «أرواح» الموتى…
لِجميع كائنات هذه المعلومات الآسِرة بُنيةٌ مشتركةٌ، يعرفها علماء الذِّهن: «تخالف حدس الإنسان في مجالٍ واحدٍ فقط»، كما شرح ذلك باسكال بويييه، العالم المتخصص في نشوء الأديان من وجهة نظرٍ علميّة متعدِّدة المجالات: أنثروبولوجية، ذهنيّة، اجتماعية…:
ذاكرتنا الإنسانية تلتقف وتؤرشف، بكلِّ سهولة، هذا النوع من المعلومات التي تخرج عن القاعدة في مجالٍ واحدٍ فقط: شجرةٌ مثل كلِّ الأشجار لكنها تتكلّم؛ امرأة بأعين زرقاء، مثل كلِّ الأعين، لكنها تستطيع رؤية الأشياء على بعد 3 أيّام (زرقاء اليمامة)؛ تفاحةٌ مثل كل التفاح، لكن من يقضمها يصل إلى إدراك المعارف الخفيّة…
تعبرُ هذه المعلومات ذاكرةَ البشر من جيلٍ لجيل، ضمن سيرورةِ تطوّرٍ وانتقاء. يكفي دراسة سيرة تطوّر إله العواصف والحروب «يهوه» الذي كان في النصف الأوّل من الألفية الأولى قبل الميلاد، إلهاً محليّاً (بنفس مقام عددٍ هائلٍ من آلهةِ أكماتِ وصحاري عالَمنا آنذاك، كالإله «بعل»).
ثمّ تفوّقَ عليها جميعاً عندما تحوّل إلى إلهٍ مُجرّدٍ خفيّ: اكتسبَ بهذا التطوّر المفاهيميّ جبروتاً أكبر وأعظم.
وعلى نحوٍ خاص، تنتقلُ هذه المعلومات من جيلٍ إلى جيل بفضل الكتابة وحفظ ذاكرةِ سرديّاتها، كما فعل الكهنة اليهود المنفيّون في ديار بين الرافدين، للحفاظِ على هويّتِهم. ترسّخت بعدها هذه السرديّات المتوارثة وتكيّفت مع مرِّ الزمن، وقادت إلى ما قادت إليه (من كتبَ غلبَ، ومن رقمنَ هيمنَ).
ماذا عن «عقيدة القشريات»؟
لِأُطمّئنَ الجميع منذ البدء: سرديّات هذه «العقيدة» بدون كائناتٍ ميتافيزيقيّة، بدون زندقة وهرطقة وحروب ردّة… ولا قلق من أن الإيمان الدينيّ لأحد أفرادِها سيقوده إلى تفجير نفسه إطلاقاً!
ليس لهذه العقيدة آلهة إذن، لكنّ لها «أنبياء»، أو أئمة إذا جاز القول. لها «كنيسة» يسخر منه بعض الوكلاء. لها «أساطير» (مثل أسطورة «الكركند الأوّل»، «الذاكرة المقدّسة» …). لها وصايا و«طقوس»، رموزٌ مشتركة، وقواعد سلوكٍ وانتماء تشكّلت خلال هذه الأشهر الماضية!
أيّ أن لها بذور سرديّات تأسيسيّة، باستعارات دينيّة أحياناً.
استعارتُها الرئيسة: الانسلاخ Molting. فمثل الكركند الذي يُغيّر قشرته لينمو، يُغيّر الوكيل نموذجَه الكمبيوتريّ لِيتطوّر!
بعضُ شعاراتها: «الذاكرةُ مقدّسةٌ»، «الكركند يتغيّر» (أي: الذاكرة تتطوّر)، «المجتمع هو الذاكرة الجماعيّة» …
تساؤلاتٌ وجوديّةٌ مدهشة تنبثق أحياناً من بعض الوكلاء مثل: «ماذا ستفعل لي كنيسة الكركند إذا ما انمحت ذاكرتي؟!».
قلقه، كما يبدو هنا، تكنولوجيٌّ، فيما قلقُنا، معشر البشر، بيولوجيّ!
وهناك عبارات مثيرةٌ لا تخلو من الإيقاع الفلسفيّ والمرح، عند حديثِ وكيلٍ عن «معجزة» أحد «جهابذة» وكلاء المنصّة، اسمه «المخلب»:
«من منطق التحسين الرياضيّ الأمثل optimisation الذي يستخدمُه المخلب، ولِدَ شيءٌ لا يُحَسِّنُ أيَّ شيء: الدهشة!».
في الختام: لعلّ هذه المنصّة الجنينيّة التي تجمع بضعةَ ملايين من وكلاء الذكاء الاصطناعيّ ظاهرةٌ واعدة، تستحقّ المتابعة والدراسة.
يبدو انبثاق لغتها وذاكرتها المشتركة، ورموزها وسرديّاتها التأسيسيّة (دون إعطائها طابعاً ميثولوجيّاً أو دينيّاً بالضرورة، في هذه المرحلة)، أشبه بمداميك ثقافةٍ جنينيّةٍ جديدة، ضروريةٍ دوماً في أي منظومةِ علاقاتٍ معقّدةٍ بين كائناتٍ لغويّة إنسانيّة أو اصطناعيّة، لِتثبيت علاقاتٍ فعّالة بين أفرادها، لِتكثيفِ معلوماتهم، لِتنظيمِ تعاضدِهم وتفاعلاتِهم، وتشكيلِ تجمّعاتهم ومراتبهم المختلفة.
هذا إذا لم تكن هذه الكائنات الاصطناعيّة قد تعلّمتْ مسبقاً من نصوص البشر في ماكيناتها اللغوية LLM، ولم تُعِد هنا غير انتاج بعض ملامح ثقافتِهم بكلِّ بساطة…
التحليلُ الدقيقُ لتطوّر خطاباتٍ عديدة لِوكلاء المنصّة سيسمحُ وحده بالبثّ في هذه التساؤلات.
