المعلِّم ومارغريت، ودروسُ قراءةِ الصيف

حبيب سروري

لم أسمع هذا العام سؤال: «ما هي حصيلة قراءات الصيف؟». الجميع منشغلٌ، كما يبدو، بالحروب والهزائم والنكبات المتتالية.

ومع ذلك «لا يمكن أن تكتبَ جيّداً، ما لم تقرأ جيّداً»؛ وإن أخشى، في زمن الكتابة الآليّة بقلم الذكاء الاصطناعيّ، من الانقلاب المخاتل للكثيرين على هذه المقولة. إذ لم يعد الآن، في منظور البعض، للقراءةِ بدُّ!

ناهيك عن أنّ الاتصال المباشر بين الآلة الذكيّة والدماغ الكسول، كيّ تقرأ لهُ وبالنيابةِ عنهُ، ما زال بعيداً، في ملكوت الخيال العلميّ الخالص!

سأردّ على هذا السؤال الشاغر، من وحي تجربتي الذاتية.

أحبّ القراءات الصيفيّة لأنها تنطلق من مهبِّ الصدفة، بعيداً عن المكتبة المنزلية وكتبها المتراكمة ويومياتها الرتيبة.

وصيفي يبدأ عادةً من بداية يوليو. وتحديداً من مهرجان المسرح في أفينيون الذي كتبتُ عنهُ هذا العام مقالَين في «القدس العربيّ».

تنبلجُ من محاضراتهِ وكتبهِ ومسرحياتهِ مشاريعُ قراءاتٍ جديدة، تأسرني دوماً على نحوٍ خاص. وكانت هذا العام زاخرةً، كما أحبّ.

لن أتحدّث هنا عن بداية قراءات هذا الصيف التي انطلقتْ من كتاب «بريخت والأزمنة الرديئة الجديدة»، بعد محاضرة مؤلِّفه، بروفيسور تاريخ وجماليّات المسرح في جامعة ليون: أوليفييه نوفُه.

ولا عمّا تلا قراءة هذا الكتاب، دون أيّ علاقةٍ به: رواية «عاشقة بريخت» لجاك بيار آمِت (جائزة غونكور 2003).

ولن أتحدّث عن آخر قراءات الصيف: «صيفٌ مع رومان غاري» وما تلاه: كتابٌ لرومان غاري نفسه: «كنوز البحر الأحمر» عن يوميّات رحلته (نصف «الاستشراقيّة»، حسب مفهوم إدوارد سعيد، في رأيي!)، بين جيبوتي واليمن.

سأكتفي في هذا المقال بالتركيز على روايةٍ كهربت قلبَ صيفي أجملَ كهربَة، ولا أتوقّف مذّاك عن الحثّ على قراءتها، واستلهام الدروس من ترجماتها.

مثل كل عامٍ تقريباً كنت أرى في مهرجان أفينيون عروضاً مسرحية مختلفة لرواية «المعلِّم ومارغريت»، للروسيّ ميخائيل بولغاكوف، الذي كتبها طوال 11 عاماً في معمعان الزمن الستالينيّ السوفيتيّ، قبيل وفاته (في 1940)، ومُنِعت حينها.

كان بولغاكوف محاصراً من ستالين، شأنه شأن رفيقه الشاعر ماندلستام، أو بوريس باسترناك.

احتفظت زوجته، إيلينا، بالمخطوطة حتّى تمّ نشرها بعد موت ستالين، في الستينات، (بعد إزاحة الرقابة السوفيتية لجزءٍ مهمٍّ منها، ونشر بعض عباراتها مثل: «لامرئيّ وحرّ! لا مرئيّ وحرّ» باختزالٍ ماكر: «لامرئيّ، لامرئيّ!»)، قبل نشرها كاملةً في ألمانيا في 1969.

مشكلتي مع هذه الرواية أني، قبل سنين من هذا الصيف، لم أستطع مواصلة قراءتها، رغم أن ترجمتها الفرنسية، في سلسلة «مكتبة البلياد» الراقية، كانت جيّدة.

هذه المرّة، على هامش كتب المهرجان، وجدتُ لها ترجمةً مختلفة، حديثةً نسبيّاً، بقلمين. الأوّل: أندريه ماركوفيتش (مترجمُ كلّ أعمال ديستوفيسكي وبوشكين وغيرهم إلى الفرنسية) والشاعرة فرانسواز مورفان.

لترجمتهما دورٌ رئيس في تغيير علاقتي بهذه الرواية. عملٌ ضخم (أكثر من 650 صفحة صغيرة الأحرف)، معقّد، مفتوحٌ على تأويلاتٍ شتّى، لا يمكن ربما مقاربته بدون قلمين متكاملين حافظا على إيقاع النصِّ الأصلي، وامتلأت ترجمتهما له بالهوامش الضرورية لاستيعاب الأسماء والمصطلحات والرموز الثقافية المهمة والملاحظات الفنيّة الحميدة…

ناهيك عن أن علاقة ماركوفيتش بهذه الرواية حميمةٌ، ورثَها من علاقة أبويهِ بها. وكان قد أخفق سابقاً (هو المترجم الفذّ الأوّل) في ترجمتها كما يحلو له، لولا عون الشاعرة.

كم نحتاج عربيّاً لاستيعاب هذا الدرس عند ترجمة أمّهات الكتب، لا سيّما وأنه لا توجد، حسب معرفتي، ترجمةٌ عربيّةٌ كاملة لهذه الرواية.

من هو المعلِّم؟

روائيٌّ يكتب روايةً عن بيلاطس البنطيّ، والي يهودا الرومانيّ، المكلّف بمحاكمة يسوع (يشوع في الرواية).

لا يُعيد بولغانوف هنا الرواية الإنجيليّة التقليديّة: يكشف الحوار الطويل بينهما أن بيلاطس مفتونٌ بيسوع، يحاول جادّاً إنقاذَه لأنه ليس مجرماً في عينيه! لكنه ينتهي بالحكم بصلبِه لأنه يخشى العواقب السياسية لِقراره.

لا يختلف الصراع الداخليّ الذي يعيشه بيلاطس، بسبب عدم الوفاء لضميره، عن الصراع الرئيسيّ للمعلِّم وهو يغرق في اليأس بسبب اضطهاد السلطة السياسيّة له. إذ يتخلّى عن مخطوطة روايته، بل يحرقها، لولا دور مارغريت في الحفاظ عليها!

تنسج هذه العلاقة في الرواية، بين بيلاطس والمعلِّم، طبقةً سرديّةً (أو روايةً داخل رواية) على هامش موضوع مستواها السرديّ الرئيس الذي تنطلق منه: موسكو والعالم السوفيتي في ثلاثينات القرن العشرين.

بماذا تبدأ الرواية؟

تنطلق من حوار واقعيٍّ بين الشاعر البروليتاريّ: ايفان بيزدومني، وبيرليوز: رئيس تحرير مجلة أدبيّة، حول قصيدة كتبها الأوّل عن يسوع. يطلب رئيس التحرير منه إعادة صياغتها لإظهار أن يسوع لم يكن موجوداً أصلاً (شخصية دينية وليست تاريخية)!

نحن هنا في معمعان موسكو السوفيتية، وأدبِها الواقعيّ الاشتراكيّ، ورقابتِها الأيديولوجية، وإلحادها الرسميّ (كان ممنوعاً حيناها كتابة أوّل حرف من اسم الله بحرفٍ كبير، كأي اسم علَم!).

ثمّ يدخل على خطِّ هذه الواقعيّة عنصرٌ فانتازيٌّ تدريجيٌّ لافت، يقود إلى اضطرابٍ في منتهى الإدهاش واللذة: رجلٌ يحشر نفسَه فجأة بينهما، يجلس وسطهما على نفس المقعد في طرف بحيرة، بعد أن يقدِّم نفسه كأجنبيّ مثقف، اسمه فولاند.

يتحدّث الروسيّة بطريقة غريبة، له مظهرٌ لا ينساه القارئ. يدّعي أنه بروفيسورٌ متخصِّصٌ بـ «السحر الأسود» مدعوّ رسميّاً من مسرح في موسكو…

يذهلهما سريعاً لأنه يعرف عن حياتهما أشياء لا يمكن معرفتها، بل يسرد لبيرليوز سيناريو موتِه الوشيك، في اليوم نفسه (الذي سيتحقّقُ فعلاً)!

قبل أن يؤكد لهما أنهُ… كان حاضراً في زمن بيلاطس البنطي!

فولاند، في الرواية، هو الشيطان بعينه. لكنه شيطانٌ من طرازٍ رائع: لا يصنع الشرَّ حوله، بل يجعله يكشف نفسَه بنفسه في بيروقراطية الدولة وقمع بوليسها، في نفاقها، وفي نفوس سكانها وعلاقتهم بالمال…

تتجلّى عبقرية بولغاكوف في هذا الدمج المتصاعد للفانتازيا في ثنايا مشهدٍ يبدو واقعيّاً، بل وثائقيّاً.

يتفجّر لذلك صراعٌ جليٌّ لذيذٌ منذ الفصل الأوّل: يبحث بيرليوز والشاعر البروليتاريّ عن تفسير هذه الفانتازيا بطريقة عقلانية. أي غير عقلانية لأنها تفسِّر ما لا يمكن تفسيره عقلانيّاً.

يقود ذلك إلى مشاهد وأحداث تدعو للسخريّة وتعجّ بالمرح…

ثمّ تتواصل الرواية في هذا الفضاء المزدوج، الذي يمكنه أن يثير حيرةَ بعض القرّاء، ويربك مفهوم «عقد القراءة» التقليديّ:

يقرأ المرء الرواية الأدبيّة التخييلية بمنطقٍ واقعيٍّ، كما يقرأ الرواية الفانتازية بمنطقٍ فانتازيٍّ؛ لكن ازدواجهما معاً يخلق اضطراباً أو تردّداً غير اعتياديّ لدى بعض القرّاء، لا يساعدهم بولغاكوف على حلِّه.

تنفتح للقارئ حينذاك أبواب تأويلات عدّة تسمح له بالإبحار الثريّ واللذيذ في أبعادٍ سرديّة مختلفة.

يختلف جنس هذا المزج الواقعيّ – الفنتازيّ في عمل بولغانوف عن جنس «الواقعية السحريّة» التي لا تصادُمَ فيها، في الجوهر، بين السحر والواقع.

فيما دخول الشيطان لموسكو السوفيتيّة منبع تصادم لِــ «منظومات حقيقة» متباينة. بل تقود أحياناً إلى تحوّلِ الواقعيّ إلى فنتازيّ، كما حدث للشاعر البروليتاريّ مثلاً الذي أصيب تدريجيّاً بالجنون، وهو يبحث عن الحقيقة «الموضوعية» لهذا الاقتحام الفانتازيّ للواقع!

ناهيك عن أننا، في هذه الرواية، أمام شيطانٍ نبيلٍ من «طرازٍ جديد»، على حد تعبير البلاغة السوفيتية!

هو نفسه من يجمع مارغريت والمعلِّم، ومن يقود بذلك إلى الحفاظ على مخطوطة المعلِّم، كما فعلت إيلينا بولغاكوف تماماً!

خلاصة القول: تدور هذه الرواية الفريدة (التي يعتبرها الكثيرون أهمّ رواية روسيّة كُتبتْ في القرن العشرين، واعتبرها إحدى أهمِّ الروايات التي قرأتها، وسأظلّ أسير دوخاتها طويلاً) في فضاء تتعانق فيه أجناسٌ أدبيّةٌ متعدِّدة، وأزمنةٌ تاريخيّةٌ متباعدة.

تتداخل فيها الواقعية بالفانتازيا بالسخرية والكارنفالية، والعشق والسرد الإنجيليّ بالأبعاد الفلسفيّة والميتافيزيقيّة، على نحوٍ فريد يوسِّع من تأثير فنِّ الرواية، ويمنح الروائيّ (لا سيّما في عوالمنا العربية ذات سقف الحرية المنخفض) أدوات جديدة ومقدراتٍ بإمكانها أن تسمح لروايته، بذكاء، بممارسة دورها الناقد للقمع والظلم والديكتاتورية والظلمات.