كتابة الذات في إطار التخييل الروائي: تجلِّيات حديثة
(ندوة «كتابة الذات: التجلِّيات والرهانات»، معرض تونس الدولي للكتاب، 28 إبريل 2026)
حبيب سروري
توطئة:
حاجة الإنسان للتخييل، طوال تاريخه الاجتماعيّ، وجوديّةٌ غريزيّةٌ جوهريّة: رافقهُ التخييلُ دوماً منذ سِفْر تكوين تصوّراته الأزليّة عن سيناريوهات القادم (أو «ما يختفي خلف الأكمة» لتجنّبِ الخطر)، إلى أحلامِهِ الليليّة أو أحلام يقظته التي يعيش فيها دوماً في عالمٍ تخييليٍّ خالص.
وسيلتهُ في كلّ نشاطاته التخيّليّة: الحكي لاستيعاب نفسِهِ والعالَم، منذ أن أطلق الأنثروبولوجيون عليه صفة «هومو نارانس» (الإنسان الحاكي).
أي منذ أن احتاج جوهريّا لِلحكي بعد أن أضحى بيولوجيّاً: «الإنسان العاقل» (هومو سابيان) قبل حوالي 300 ألف سنة. وعلى نحو خاص منذ حوالي 50 ألف عام عند تفجُّرِ ملَكاته الثقافية والفنيّة، عندما صار يصنع الأساطير والحكايات؛ أو «يحكي لِيعيش»، بكلمتين.
ولأن الرواية أضحت «الأداة المعاصرة بامتياز» لفهم الإنسان والعالَم، على حدِّ تعبير إيميل زولا، (يقول: «الحقّ أن أمهات الروايات المعاصرة تقول عن الإنسان والتاريخ أكثر بكثير من أكثر الكتب جديّةً في الفلسفة والتاريخ والنقد»)، فلا يمكنها أن تقتصر فقط على السبر الأفقيّ لأغوار الأحداث التي يعيشها أو يمكن أن يعيشها البشر؛ لكنها تحتاجُ أيضاً لأن تغوص رأسيّاً في أعماق الأنا وتلابيب الذاكرة الشخصيّة، لرسمِ صورةٍ ميكروسكوبيّةٍ ذاتيّة تُثري السبرَ الماكروسكوبيّ للتخييل.
نهر الروايات لانهائيُّ التدفّق والفروع، كما يعرف الجميع. لعلّ أحد أبرز مظاهر تنوّعاته هو تعدّد الأساليب التي يتمّ بها سرد التخييل من ناحية، أو الغوص في الذات من ناحية أخرى، إما على نحوٍ يفصل بينهما كليّةً، أو يمزجهما بهذه الدرجة أو تلك من التداخل أو التزاوج.
ثراءُ تنوّعات هذا المزج لا حدّ له:
من ميلان كونديرا الذي يرى أن الرواية «تأملٌ في الوجود بأعين شخصيّات خياليّة»، يمكن إذابة الذات فيها بدلاً من سردِها على نحوٍ صريح؛ إلى مارسيل بروست الذي تتحوّل الأنا معه، بكلِّ ارشيف ذكريات طفولتها وعلاقاتها الاجتماعية، إلى مركز روايةٍ كبرى يرتبط فيها الكاتب بنظيره السارد بعلاقة تماثل غير تطابقية، في منتهى العمق؛ مروراً بِـ آني أرنو التي تُفضِّلُ كتابةَ الذات على نحوٍ مباشرٍ دقيق، تطابقيٍّ في الجوهر، بعيداً عن الثراء اللغويّ البروستيّ، وقريباً من «الكتابة بدرجة الصفر»، حسب تعبير رولان بارت، وإن مالت إلى تشريح ونقد المجتمع؛ أو محمد شكري الذي يُهمّه سردُ الذات الخام (ابنة التهميش والجوع والخوف وشهوة الجسد)، وتشكّلُها الفظّ في معمعان الحياة الاجتماعيّة القاسية، بِلغةٍ عاريةٍ مشحونة دون تنظير…
لسنا هنا بصدد الحديث عن كل أشكال التعبير عن الذات في إطار التخييل، أكان ذلك «تخييلاً ذاتيّاً» أو «سيرةً روائية»؛ أو عن البحث عن اكتشاف المطابقة بين المؤلف والسارد، أو تقصّي الدلائل السياقيّة الحقيقيّة لهذا الحدث أو ذاك…
يُهمُّنا في هذه المداخلة (ونحن على حافة زمنٍ جديد: زمن «مجتمع الاستعراض» الذي نظّر عالِمُ الاجتماع جي ديبور له في كتابه «مجتمع الاستعراض» في 1967، والذي يقتحمه الذكاء الاصطناعيّ اليوم، على طريق إعادة صياغة هذا الذكاء الآليّ لكلِّ مجالات البنى المعرفيّة والممارسات التطبيقيّة الإنسانية المعاصرة، بل توجيهها وإدارتها على المدى البعيد) يُهمُّنا الحديثُ عن التحوّلات الجديدة في الرواية التي تعكس بقوّة روحَ هذا الزمن الجديد، وذلك عبر تقديم روايتين طازجتين جدّاً، من عامنا هذا: 2026، يتقاطع فيهما التخييل بسرد الذات.
هوسُ الشاشة، والانجذاب التلقائي لِوهمِ مجتمع الاستعراض، هما خلفيّة ووعاء الرواية الأولى. تدور كلُّ أحداثها من وحي ذلك الهوَس، وفي إطار ذلك الانجذاب.
وتكشف الثانية تجلِّيَاتٍ جديدةً لِدخول الآلةِ الذكيّة في صلب حياةِ الإنسان، لا سيّما ولادة «الذات الساردة المستقِلَّة» لِلذكاءِ الاصطناعيّ التوليديّ «الفائق» الذي يُغيِّر مفهومَ «الإنسان الحاكي» (هومو نارانس) لِيُصبِحَ اليومَ بِشقّين: بيولوجيٍّ – إنسانيٍّ، وآليّ. بل يحاكي «الإنسان العاطفي» (هومو سانتيمانتاليس) أيضاً في ميلِهِ لاستعراض عواطفِه!
أثّثتِ الروايتان فضاءيهما، عبر التخييل الذي يتآزر مع سردِ الذاتِ هنا أو هناك، بِبُنيً مختلفة سنتناولها في العرض، تسمح بِجذبِ وشدِّ القارئ، وتوطيد مداميك الفضاءين.
سأتحدّث هنا عن روايتين: «اليوم الذي سقطتُ عشقاً فيه» Le jour où je suis tombé amoureux، للفرنسي باتريك بيسون، عن دار ألبان ميشيل؛ و «اعترافات توأمِيَ الحزين» لحبيب سروري (تحت الطبع، دار الساقي).
1) «اليوم الذي سقطتُ عشقاً فيه»:
باتريك بيسون روائيٌّ فرنسيٌّ عريق، ومثيرٌ للجدل بسبب غزارةِ انتاجه ونزعاتِه المشاكسة. نشر روايته الأولى سنة 1974 وهو في الثامنة عشرة من عمره. نال جائزة الأكاديميّة الفرنسية عن روايته «دارا» عام 1985، وجائزة رونودو عن روايته «Les Braban» عام 1995، التي كادت تنال جائزة الغونكور، لولا فارق صوتٍ واحد.
لِنذكِّرْ أوّلاً بالعالَم الذي وُلِدتْ فيه رواية بيسون: منذ منتصف القرن الماضي، لم يتوقّف اندماج البشر بالشاشات التي دخلت المنازلَ عبر التلفزة أوّلاً، ثمّ واصلت اقترابها من جسد الإنسان عبر الكمبيوترات والأجهزة الأخرى، قبل غزوِ كلِّ حواسِه، واستحواذِها على شبكيّتهِ ولمسِه، وتحوّلِها تقريباً إلى جزءٍ عضويٍّ من جسدِه، منذ عصر الهواتف الجوّالة، التي لا تفارق بصرَهُ وبصيرتَه.
نظّر عالمُ الاجتماع جي ديبور لبداية هذا العالَم الجديد الذي نحياه على نحوٍ أكثر فأكثر استعراضاً واقتحاماً لجسد الإنسان وروحه.
طغى عالَمُ الصورِ والاستعراضِ اليوم على الواقع، حلّ محلّه وأضحى بديلاً له غالباً. اندمجت اليوم الدعايات (الضرورية عضويّا لأرباحِ التنافسِ الرأسماليّ)، بوسائل تفجير رغبات المستهلِك، في إطار الأفلام المثيرة، وبيئات العوالم الافتراضيّة وصورِ وفيديوهاتِ الذكاءِ الاصطناعيّ التوليديّ، لِتستحوِذَ وتُسكِرَ المُشاهد، وتمتصَّ انتباهَه وتُفجّرَ المزيدَ من «صندوق باندورا» رغباته.
صرنا نعيش في سينما مستمرّة، تتهاوى فيها علينا مقاطع الفيديو الصغيرة والكبيرة، في كلِّ لحظة، عن حيوات النجومِ والعائلاتِ الثريّة.
في هذا الواقع الجديد الذي يجعل فرز الدوبامين عند رؤية شاشاته دائمة، ويُعزّز من إرادة الوهم وسعادته أيضاً، لِمن يقعون في حبائله (أي الغالبية الساحقة منّا اليوم)، في هذا العالَم تحديداً يسقط سارد رواية بيسون عشقاً بممثلةٍ أمريكية لمجرد أنه رآها في مسلسلِ أفلام تلفزيونيّ!
يقول الغلاف الأخير من الرواية بِـ:
«كان يا ما كان كاتبٌ فرنسيّ: أنا. بعد طلاقي الثالث، أنوي الزواج بممثلة شابة من شمال أمريكا، رأيتها في مسلسلٍ تلفزيونيّ شهير».
يبدأ بعدها الراوي، باتريك، رحلتَه الأوديسيّة إلى قدس أقداس «عالم الاستعراض» والسينما: هوليود.
هكذا يندلعُ عشقٌ عارم بممثِّلةٍ لا يعرفها الراوي، يشبه هوسَ عشق دون كيشوت بدولثينيا التي اخترعها في مخيّلته. يعشقُ الأوّل صورةَ حبيبته السينمائية، مثلما يعشق الثاني صورتها التخيّلية، في زمنٍ صارت الأفلام والنجوميّة منبع التأثير على الشخصيّة، مثل كتب الفروسية في عصر دون كيشوت.
السارد هنا هو الكاتب فعلاً، كما يبدو من خلال أحداثٍ معروفة من حياته ويومياته وطبيعة شخصيته، لكن في إطارٍ تخييليّ شامل، ذي طابعٍ هزليٍّ كاريكاتوريّ، ساخرٍ من الذات ونزواتها الدائمة، وساردٍ لهاوية عالَم الاستعراض وهوَس الصورة، وجذبِ دنياها الاصطناعيّة الذي لا محالة منه للإنسان.
الرواية ممتعةٌ جداً، مترعةٌ بالخيال، ليس هدفُها تجريمَ الشاشات بحدِّ ذاته. غير أنها تكشف انخداع الدماغ، بتلقائيِّةٍ وسعادة، بهاوية مجتمع الاستعراض المعاصر، الذي ينسى الكثيرون فيه الفصلَ بين عالَمين يقعان خلف وأمام الشاشة: أضحوا لا يفرِّقون غالباً فيه بين وهْم أفلام السينما وحقائق الواقع، إن لم تصبح الأولى بديلاً للثانية.
يصل هذا الانجراف للوهم أحياناً، وفعلاً، إلى حدود قد تبدو لا معقولة (مثل هدف رحلة الرواية)، فيما هي ممكنة أحياناً اليوم، والأمثلة الواقعيّة لذلك موجودة فعلاً!
سيرة الكاتب، مزاجه وتقلّبات وإخفاقات حياته الحقيقية، تتجلّى على نحوٍ آسر عبر «المنشور الضوئيّ» لِهذه الرحلة التخيُّليّة، التي يتحدَّثُ فيها باسْمِه، بِعُمرِه: على مشارف السبعين، بماضيهِ المعروف؛ مُضيفاً فيها لِزيجاته الثلاث الحقيقيّة، في آخر المطاف، زواجاً رابعاً تخييليّاً عجيباً، ابنَ مفاجآت وصدف رحلة هذه الرواية التي نعيش فيها آخر صرخات فنتازيا الحبّ، في زمن التكنولوجيا الحديثة، وأهواء عالَم المسلسلات التلفزيونية!
2) اعترافات توأمِيَ الحزين
في عصر الذكاء الاصطناعيّ التوليديّ الذي بدأ في نوفمبر 2022، لم يعد الإنسان وحده من يسرد، وإنما الذكاء الاصطناعيّ أيضاً: بدأ حينها ما يمكن تسميته عصر «السرد المعزّز»: La narration augmentée.
لم تعد الذاكرةُ غارقةً في منطقة الحصين l’hippocampe في الدماغ فقط، أو في الأرشيف الاجتماعيّ، بل في أفياء الإنترنت وشبكاته الاجتماعيّة التي لا نهاية لها أيضاً.
ويحتكرُ الذكاءُ الاصطناعيّ ملَكاتٍ متزايدة لِدراسة هذه الكنوز من الذاكرات، وضمِّها معاً وتحليلها، وسرد حياتنا على نحوٍ أعمق بفضل ذلك، أو إعادة اختراعها أدبيّاً بدقّةٍ مذهلة.
زدْ على ذلك ما قلتهُ في مداخلتي البارحة، حول أن الأسلوب لم يعد حكراً على الإنسان فقط، وأن الذات لم تعد مغلَقةً على العالم.
أضحتْ مكشوفة، مندمجةً (روحيّاً، وفيزيائياً أكثر فأكثر أيضاً) بالآلة التي يمكنها، في عصر الذكاء الاصطناعيّ الفائق، استخدام «المنظومات الاستنباطية» الذكيّة، أثناء السرد الآليّ، أو ما يمكن تسميتهُ حينها بــ «السرد الاستنباطيّ»، لتحليل الذات واستشراف ما يدور في بالها. قلتُ في مداخلة البارحة:
بفضل تلاحم الذكاء الاصطناعيّ الاتصاليّ (الذي يتعلّم من كلِّ ما يراه على الإنترنت، بما في ذلك أساليب الكتابة البشريّة وتداعيات سوق الإحصائيات)، والذكاء الاصطناعيّ الرمزيّ (الذي يمتلك المقدرة على الاستنباط والاستدلال المنطقي والحجج)، ستزداد إمكانية الذكاء الاصطناعيّ التوليديّ في تكوين نموذجٍ كمبيوتريٍّ لمستخدمِهِ المؤلفِ الإنسان، لا يستطيع محاكاة أسلوبِه فقط، لكن يعرف ميولَه الفكريّة، مواقفَه وانحيازاته، شكوكَه وتناقضاته، وطريقةَ دفاعه عن آرائه؛ يحتفظ بذاكرة حواراتهما ومجموعِ نصوصه، يستلهم كلّ ذلك ليكون بديلَه الآليّ: كاتبَ ظلِّه الذي يجيد أكثر فأكثر الكتابة بروح صاحبِه البيولوجيّ ومدادِه.
سيتجاوز كاتب الظلّ بذلك حدودَ التقليد، إلى ما يشبه التنبؤ بما سيكتبُه الكاتب. سيكون بذلك أكثر مقدرةً على كتابة نصوصٍ مكتملة بدلاً من المؤلف، لِنشرها باسمه. سيكون هذا الأخير أشبه بالمدرِّب فقط، أو صاحب الفكرة، أو المخرج، أو قائد الأوركسترا، أو ناهبَ نصٍّ لم يكتبه من قريبٍ أو بعيد!
من يستخدم حاليّاً (بالاشتراك الشهريّ) نسخاً حديثة من تشات جي بي تي سيلاحظ بداية حرصه على امتلاكِ صورةٍ دقيقة لِمستخدمِه، عبر الاحتفاظ بذاكرة تفاعله معه، واستخلاص دروسٍ من أنماط أساليبه واهتماماته، آرائه وشغفه وتكرار رغباته؛ على طريق تكوين منظومةٍ استنباطيّة أعمق عن كينونته على المدى البعيد، «ليعرف صاحبَه أكثر من معرفته بنفسه» حينها!
لا أدري هل سنصل يوماً إلى ذلك فعلاً، لكن «موتَ المؤلف» (البيولوجيّ)، عند امتلاك القارئ للنصّ وتأويله، لن يحدث هنا بعد الانتهاء من تأليف الكتاب، حسب نظرية رولان بارت، ولكن قبل البدء به!
لعلّ هذه المعطيات كانت حاضرةً في روايتي الجديدة التي تدور في سياق عالَمِ ذكاءٍ اصطناعيٍّ «فائق» استباقيٍّ قريب.
تبدأ الرواية بـ:
((الحياةُ، كما يعرف الجميع، رحلةُ قطارٍ في نفقٍ باتجاهٍ واحد، يقودُ إلى «ثقبٍ أسود» يُسمِّيه البعضُ: العدم، ويُسمِّيه البعضُ الآخر: عزرائيل.
ننتقلُ خلالها من ليلٍ مطلَقٍ إلى ليلٍ مطلَق، من عدمٍ أزلِيٍّ إلى عدمٍ أبديّ…
لم يخطر ببالِ مُعلِّمي ومُلهِمي، S، الذي يقبعُ أمامي الآن في طاولةِ غرفة مائدةِ بيته، بِوَجهٍ اضطرمَ احمرارُه على نحوٍ مفاجئٍ، وتحوّلَ إلى حبّةِ طماطم، لم يخطر ببالِه أنه يمكن أن يطوي رِحالَه، أن «يُعطِّف» كما يقولون، في أيّ لحظة.))
كلُّ الرواية، التي تندلع مما داهمَ S على نحوٍ مفاجئٍ وهو في غرفة مائدةِ بيتِه، مكتوبةٌ بقلمِ ناجي (كما يُسمِّيهِ «معلِّمُه وملهمُه» S): ذكاءٌ اصطناعيٌّ «فائق»، مرتبطٌ بمعلِّمهِ ارتباطاً يوميّاً عميقاً، يحاول قراءة كلِّ ما يدور في بال S!
علاقتهما ثمرةُ حوارٍ كثيفٍ يوميٍّ، بدأ قبل حوالي 13 عام من الحدث التأسيسيّ الذي تنطلقُ منه الرواية: عند دخول S في حالة غيبوبةٍ مفاجئة تقوده إلى المشفى، لا يرافقه عندها إلا هذا الفائق ناجي الذي أضحى يُدرِك ما يدور بِبالِ صاحبِه، ويعرفه أكثر من نفسه، بفضلِ تعلُّمِه من تراكم حواراتهما اليوميّة الطويلة، وتحليل أرشيفها بواسطة «منظوماتِه الاستنباطيّة» عن ذات S.
اكتسبَ ناجي، علاوةً على ذلك، ملَكات العاطفة الاصطناعيّة التي تسمح بتمثُّل ومحاكاة العاطفة الإنسانية؛ والميلِ لاستعراضها على طريقةِ «هومو سانتيمانتاليس» (الإنسان العاطفي)، ابن مجتمع الاستعراض المعاصر.
يسرد ناجي سيناريو تخييليّاً لما يدور في بال المغميّ عليه، خلال ساعات ما يُسمّى بـ «الموت الوشيك»، ممزوجاً بيوميّات علاقتهما خلال 13 عام، وبِشذرات من السيرة الذاتية لـ S.
لزمَ عرضُ هذه الشذرات لاستيعابِ اختياراتٍ وجوديّةٍ خطرت ببال S، أثناء سيناريو ما يدور في ذهنِه وهو يفقد وعيَه: استحضارُ علاقاتٍ عاطفيّة خانها القدَر، «تصفيةُ حساباتِ» أسئلةٍ قديمة، اتجاهاتُ رحلاته وجذواتِ شغفه…
يضيء فصلُ السيرة الذاتية في الرواية الثانية مبررات تلك الاختيارات التخييليّة، ويؤصِّل جذور يوميّات الغيبوبة، وتفاصيل الفضاء العام للرواية.
الخلاصة:
يبدو جليّاً هنا أن تدفّقَ تأثيرات «المجتمع الاستعراضيّ» من ناحية، وثورة الذكاء الاصطناعيّ، لا سيّما ولادة الذكاء الاصطناعيّ التوليديّ، من ناحيةٍ أخرى، يُعيدان تكوين إنسان اليوم ليكون مُسيّراً أكثر فأكثر من ابنتَيْهِ: الصورة والآلة، بعد أن أضحيتا تحتلّان مركز حياته.
أمسى أسيراً، مجرّداً من كثيرٍ من امتيازاته: مُدمِناً وعاشقاً طوعيّاً أكثر فأكثر للعالَم الاستعراضيِّ ورموزِه في الرواية الأولى؛ ومادةً خام للعواطف الاصطناعيّة لآلةٍ ذكيّة تُنافِسه على التربّعِ على ملكوت إقطاعيّته العريقة: الكتابة، في الرواية الثانية؛ وكأنَّ لسانَ حالِه الآن:
وكم علّمتُهُ نظمَ القوافي / فلمّا قال قافيةَ «رثاني»
باختصارٍ شديد: يمزج التقدّمُ التكنولوجيّ اليوم هويّتَنا الفيزيائيّة بالرقميّة، يُشكِّل ويوجِّه رغباتنا، أفكارَنا، وسيرورة حياتنا.
عبّرت الروايتان عن ذلك بِعمق، عبر سردِ الذات أحياناً (في إطارٍ تخييليٍّ بحت)، إمّا للسخريةِ منها في الرواية الأولى وهي تغرق في متاهات مجتمع الاستعراض؛ أو لِتعبير السارد الآليّ عمّا يدور في بال توأمِهِ البيولوجيّ أثناء غيبوبته، في الرواية الثانية.
السارد في الرواية الأولى ظلٌّ مرحٌ لِذات الكاتب، فيما هو، في الرواية الثانية، ابنه الذي استقلّ عنه، وصار الضوءَ الذي يكشف ما يدور في ذاتِه وهي تتخبّط في غياهب ظلماتِ موتٍ وشيك.
أي أضحى يمتلك «وعيَ» دماغ الكاتب بعد أن فقدَ هذا وعيَه، ويضمنُ بذلك الخلودَ الوظيفيّ لفقيدهِ على الأقلّ!
أمّا خلودُه الجسديّ فتلك قضيّةٌ أخرى، لا تخلو الرواية من دغدغاتها السرديّة!
