إمّا الضحكُ، أو الموت!
حبيب سروري
تحدّثنا في مقالٍ سابق عن دور الذكاء الاصطناعيّ، كمتّهمٍ وحَكَمٍ، في قضية استخدامه في كتابة روايةٍ فازت بجوائز راقية: «إمّا هذا أو الموت» للكاتب الهايتي-الكندي ثيلسون أوريليان.
وعَدنا في مقالنا بتقديم محتوى الرواية التي تدور حول مغامرة لجوء بطلِها من هايتي باتجاه كندا، طوال 12 ألف كيلومتر، مخترقاً حدود 12 دولة ممنوعة.
نالت الرواية استحساناً هائلا، وما زالت تُسِيل الكثير من الحبر. بل ارتفعت مبيعاتها لتصبح الأولى في قائمة المبيعات في فرنسا، رغم الاتهامات، ورغم سحبها من جائزة الغونكور بعد أن كانت في المقدمة.
اعترفُ قبل استعراض الرواية: طالما شدّني موضوع اللجوء والهجرة، منذ وجدتُ نفسي طوال ثلاثة أيّام شتويّة قارسة في «غاب كاليه»، في نهاية عام الكوفيد الأوّل: 2020، في أقصى شمال فرنسا، لكتابة مقال أدبيّ لكتابٍ ألمانيّ، عن أوضاع الذين يحاولون المخاطرة بحياتهم والهروب من الغاب، عبر بحر المانش نحو بريطانيا، حيث يعيش أقرباءٌ ينتظرونهم هناك غالباً، أو حيث تحلو لهم الحياة لأنهم يرطنون كلمتين من لغة شكسبير، بكلّ بساطة.
كانت تجربةً ذات مغزى كاشفٍ صادم، تعلّمتُ منها الكثير، وانطلقتْ منها روايتي «جزيرة المطفِّفين».
كنت اتمعّن سرّاً حينها باللاجئين المختفين في الغاب جماعاتٍ وأفراداً: شبابٌ (لبشراتهم اللون الداكن نفسه تقريباً) آتون من أطراف العالَم!
ترافقهم أكياسُ قمامة بلاستيكيّة رهيفة داكنة واسعة، مرصّعةٌ بالثقوب، يحملونها، بعيداً عن الزحمة، تختلط فيها الملابس، بموزٍ وخبزٍ جاف، بفراش نوم وخيمةٍ مطويّة، وبقايا رموز ذكريات صغيرة تربط حاملَها بعالَمٍ غادرهُ إلى الأبد.
هي منازلهم الوحيدة المتنقّلة، وكل ما يمتلكون في هذه الدنيا!…
أدركتُ حينها أن كلّ لاجئٍ عُوليسٌ معاصر، له أوديسته الخاصّة، وحلمٌ واحد: الوصول إلى إيتاكا، حيث تنتظرهُ زوجته بينولوب (أوربا أو كندا أو أمريكا…)، موطنُ موتِه الذي يبتغيه، وليس موطن ولادتهِ الذي لم يُقرِّره.
لاحظت، بذهول، أنّ هؤلاء اللاجئين يميلون غالباً، وهم في قعر جهنم تراجيدياتهم، إلى نوعٍ من الضحك الذي يصعب سبر أغواره!
«أقسمُ لكم، يومها، ضحكتُ!»: بهذه الجملة تبدأ رواية أوريليان، بلسان بطل روايته، جوناس، أستاذ الجغرافيا والتاريخ.
ضحك وهو يرى منزلَه يحترق تحت نيران عصابات تكتسح الحيّ الذي يسكن فيه في عاصمة هايتي، الذي لم يكن أكثر من «منفضةِ سجائر عملاقة»، «مقبرةٍ بلا قبور» … «لم يكن ضحكاً سعيداً، ولا حتّى عصبيّاً. ضحكٌ جاف، هزيلٌ شاحب، مثل شجرةٍ نمت في زقاق لا تصلها الشمس».
تبدأ بعد ذلك أوديسيا الهروب بِكيسٍ بلاستيكيٍّ يحتوي على دبلومه، ديوان شعر، صورة أمِّه، وسروالٌ داخليّ «أقلّ فأقلّ نظافة».
ليلتها «نمتُ تحت شاحِنةٍ مقلوبة، متغطيّاً ببطانية قديمة تفوح منها رائحة الكيروسين والبول. التهمني البعوض كما لو كنت مائدةَ عرس. وعندما استيقظتُ، كان فأرٌ يلعق أصابعي. نظرتُ إليهِ ونظرَ إليّ. أدركنا أننا شريكان في البؤس. رحل، وبقيتُ. وضحكتُ من جديد».
ها هو جوناس بعد ذلك في باصٍ ينطلقُ نحو أول الحدود. تلك التي تفصل هايتي عن جارتها جمهورية الدومينيكان: الرئة الثانية للجزيرةٍ نفسها.
تُوقفُ عصابةُ قطّاعِ طُرقٍ الباصَ، يقودها شابٌّ صغيرٌ بفانيلة عليها صورة ميسي، وبسلاحٍ أكبر من جسده. تُجبِر العصابةُ ذكورَ الباص على الهبوط…
شعر كلُّ واحدٍ أنه على وشك الموت بعد أقلِّ من خمس دقائق، قبل سماع إنذار قائد العصابة لكلّ فرد بما معناه: إمّا الضحك، وإمّا الموت:
— هكذا سنفعل: إما أن تُضحكني وتنجو، أو لا تُضحكني فتُضحكُ الغربان!
بدأ بالأوّل. حاول مرتجفاً لفظ نكتةٍ لم تُضحِك القائد، «فانفجر رأسه كثمرة قرعةٍ ناضجةٍ أكثر من اللازم» …
توالى الركّاب بين ناجٍ وقتيل، حتّى جاء دور صاحِبنا الذي لم يُضحِك القائد بإلقاء نكتة، أو لأنه تبوّل فوق نفسه. لكن لأنه قرأ المزمار 23 من «الكتاب المقدّس» على نحو معكوس: من آخر آية نحو أوّل آية!
«من مشنقةٍ إلى مشنقةٍ فرَجٌ»، كما تقول مقولة يمنيّةٌ تعني: الحياة سلسلة مشانق، وما الفرَج إلا استراحات عابرة بين مشنقةٍ وأخرى، بين سجنٍ وآخر، بين شقاءٍ وآخر… أو كما يقول ألبير كامو: «ينبغي أن نتخيّل سيزيف سعيداً، بين صعودين يدفع خلالهما صخرته إلى قمّة الجبل» …
وهذه بنية الرواية: سلسلة مشانق يوميّة تفصلها استراحاتٌ كلها جوعٌ ومرضٌ وبؤسٌ وتعذيبٌ وأهوال؛ كُلّها مواعيد كاذبة للصوص معبّري التهريب الذين لا يقلّون ساديّةً عن عصابات قطّاع الطرق؛ ولحظاتٌ من الضحك المرّ. مثل أوّل يومٍ وصل فيها إلى البرازيل بعد دخولٍ ناجحٍ غير شرعيٍّ:
أراد جوناس، في الغد، أن يمنح نفسَه هديّةً رمزيّةً عظيمة للاحتفال بالنجاح. سار طويلاً نحو مطعم ماكدولاند، أراد أن يلتهم كلّ أمريكا في قرص هامبرغر. الأغلى والأكثر دسامة. انتظرَ، أخذَ صينيّة الوجبة، جلس، ثم قضم…
«شعرتُ تحتَ سنّي بطقطقة، ظننتهُ عظماً وإذا به صرصور. مشوّي. متحجِّرٌ في الخبز…».
تتوالى في كلِّ صفحة يوميّات العذابات ورجفات الموت والمرح التراجيديّ، في أكثر من غاب في دولٍ عدّة مثل كولومبيا، الإكوادور، المكسيك، قبل الوصول إلى حدود الولايات المتحدّة الأمريكية…
«الحدود اليوم ليست جدراناً، بل تطبيقٌ على شاشة كمبيوتر! واجهةُ شاشةٍ بيضاء وزرقاء، ثغرات برمجيّة، أخطاء منظوماتية».
لزم أن يشتري صاحبُنا هاتفاً قديماً. بدون الهاتف لا مرور هنا. وأن يسترق الوايفاي من كنيسة.
ثمّ بدأت معركة تسجيل الدخول في التطبيق الخاص بإجراءات العبور، بين هاتفٍ معطوب، منظومة كمبيوترية عاطلة، صورة وجهٍ لم يقبلها التطبيق…
كلّ ذلك بانتظار أن يأتي الردّ بقبول موعد مقابلة لا أكثر، بهدف عبور الولايات المتحدة خلال يومٍ واحد (يُمنعُ النوم فيها) للوصول إلى تخوم الحدود الكندية…
والموعد نفسه لا يعني قبول السماح بالمرور!
تمرّ الأسابيع، الجميع ينتظر عبثاً. تتحوّل العلاقة بالهاتف كالعلاقة بإله، يضمّه جوناس بلطف، يتوسّله ليلَ نهار.
وأخيراً موعد، لكنه انتهى برفض. تمرّ الأشهر. الحدود الرقميّة الجديدة أشدّ قهراً وساديّة في إبادتها النفسيّة البطيئة للاجئ… الجميع ينتظر. يتبادل المهاجرون حكايات عذابات مغامراتهم. يُجيد جوناس سردَها بانتظار موعدٍ جديدٍ يسمح بالعبور نحو كندا.
يجيد حكايتها بِلغةٍ أنيقةٍ جداً، كثيفةِ الاستعارات المبتكَرة، وبروحٍ مرحةٍ ذات مذاقٍ «عالَم ثالثيّ» حار متبّل آسر، يجذبني على نحوٍ خاص.
كما يجيد سرد مواقف الإيثار والتعاطف والإنسانية، التي تتجسّد أحياناً هنا وهناك، لِتُجلي الوجه الملائكيّ الآخر للإنسان:
بعد أشهر طويلة، عندما يبدأ جوناس حياته الجديدة في كندا، ذات الطقس الجليديّ القاتل، سيحميه معطفٌ أهداهُ له لاجئٌ سوريٌّ قبيل موته. هو نفسه معطف أخيه الذي أهداه له قبيل موته…
ختاماً، لا يمكن لِرواية أوريليان ألّا تُفجِّر ينابيع تعاطف في روح كلِّ من يقرأها، طالما امتلك ذرّةً من الإنسانية. لعلّ ذلك ما أقلق اليمين المتطرِّف كثيرا!
شأنها ربما شأن منظر الطفل السوريّ إيلان، 3 سنوات، الذي مات مع عائلته غريقاً بين تركيا واليونان، واكتشفه العالَم ممدّدا على شاطئ تركي، كَـ «نائمِ الوادي» في قصيدة آرتور رامبو:
يغفو مضطجعاً على العشب، تحت غيمة
شاحباً في سريرهِ الأخضر، حيث ينهمرُ النور
لا تدغدغُ العطورُ منخَرَيه
راقدٌ هو في الشمس، يدهُ على صدرِهِ
المتطامن. في ضلعهِ الأيمنِ ثقبانِ أحمران.
