عشيّة يوم القيامة

حبيب سروري

30 يوليو/ تموز 2027:

قادة أوربا في اجتماعٍ دائم بأوجهٍ عليها قتَرَة، منذ يومين، بعد الأزمة المالية الجديدة التي تطمّ كل دول جنوب أوربا، بما فيها فرنسا: ديون أوربا التي كانت 70٪ من مجموع دخلها القومي في 2007، 100٪ في 2015، تجاوزت اليوم 150٪!

الجميع يتحدّث عن ارتفاعٍ حاد في نسبة أرباح البنوك، وتفجُّرِ “فقاعاتٍ مالية”، وأزمةٍ أعتى من أزمة 7 أغسطس 2007، وأزمة 1929.

كلّ الأزمات التاريخية الخالدة، منذ 1929 حتى اليوم، مروراً بالحرب على العراق، تتفجّر في الصيف، كما يبدو. لعلّ هناك علاقةٌ بين الصيف والأزمات الكبرى، منذ سقوط روما على الأقل، في صيف 410، على أيدي قبائل الارايك الجرمانية؛ وهذا الصيف استوائيٌّ مشتعلٌ لا يُبقي ولا يذر…

 

تسونامي قبل أسبوع في جنوب شرق آسيا، تلاهُ البارحة زلزالان في تايلندا وأندنوسيا أطاحا ببشرٍ وأحياء كثيرة، ومصانع. فيضاناتٌ طوفانيةٌ وأعاصير استثنائية في الهند وبنجلادش، يصل مداها إلى شرق أفريقيا. معظم النشاطات الاقتصادية وحركة المواصلات في جنوب شرق آسيا معطّلةٌ تماماً.

 

ضحايا كثيرون أيضاً، البارحة، في أرخبيل سُقطرى اليمنية المهدّدة بالغرق والاختفاء قريباً، وسواحل عمان وحضرموت وعدَن؛ ملايين البنجلاديشيين يحاولون اختراق الجدار الذي بَنَتْهُ الهند لمنع وصول اللاجئين البيئيين من جارتها إليها. ويُتَوقّع هذا العام أن يتجاوز عدد اللاجئين البيئيين خمسة أضعاف عدد اللاجئين من الحروب، رغم الرقم القياسي للاجئي الحروب هذه السنة…

 

عنوان صحيفة ليبراسيون الفرنسية يفقأُ العين. ملءُ الصفحة الأولى المأتميّة الكالحةِ السواد هذه العبارة: تنبؤات معهد MIT المقدمة ل “نادي روما” في ستينات القرن الماضي، ببدء انهيار الحضارة الإنسانية في عام 2025، تتحقّق الآن!

 

وما زاد الطين بلّة (بل أمّ البلّات!)، قبل دقائق، على تويتر، ثلاثة أحداثٍ “نوعيّة”، أخشى أن تكون هي الأسوأ والأعصف:

سلسلة عمليات إرهابية متزامنة منسّقة:

1) تُحرقُ أهمّ موانئ تصدير النفط والغاز في الجزيرة العربية!؛

2) تُسمِّمُ مستودعات 200000 لتراً من الحليب في 4 ولايات أمريكية ب “توكسين بولوتيك”: 250000 قتيل، قبل اكتشاف مصدر السم!؛

3) وتتقرصنُ إلكترونياً على قواعد بيانات “السويفت” (أرقام البنوك)، في الثلاثة مراكز العصبية الوحيدة لحركة أموال الدنيا، في أمريكا وهولندا وسويسرا، حيث تمرّ التحويلات البنكيّة لمعظم بنوك العالَم في 225 دولة!

 

آه، عاد من جديد، كما يبدو، جيل الدواهي من إرهابيي داعش والقاعدة، وفاقوا أجدادهم الذين دبّروا أحداث 11 سبتمبر!

لا علاقة لهؤلاء الجدد، الذين لم يَمُتْ منهم أحدٌ هذه المرّة، بالأطفال المعتوهين الذين ارتكبوا مجازر باريس؛ منذ “شارلي إبدو” في بدء عام 2015؛ والمجازر المُمَوْسقة في نهاية ذلك العام في مسرح الباتكلان، وملعب كرة القدم، وبعض الشوارع والمطاعم؛ وحتّى “مصرع برج إيفل” في 17 إبريل 2026، عندما تطايرت أشلاؤه الحديدية وتناثرت في نهر السين وساحة التروكاديرو المجاورة، واندفع قضيبهُ العلويّ في حركةٍ لولبيّة شقَّتْ سماء باريس، قبل أن يخرّ قرب أقدام قوس النصر، إثر عددٍ متواكبٍ من تفجيراتٍ انتحاريّة ضخمة عند أقدامه العملاقة الأربعة، ما زال صدى رعودها الذي مزّق ليل باريس في مسمعي إلى الآن.

 

وما اختيار موعد هذه التفجيرات والتسميمات والتدميرات الإلكترونية والحرائق البترولية والغازيّة، المنسّقة والمتزامنة، في هذه اللحظة بالذات الذي تزلزلت فيها “المنظومة المعقّدة” لحضارتنا الإنسانية المعولَمة، جرّاء تواشج الأزمة المالية الجديدة بالتسونامي العملاق، إلا دليل مهنيّةٍ شيطانية، ومهارة لولبيةٍ داكنةٍ في هندسة الترويع والانهيار، وفنّ اختيار اللحظة المناسبة…

الأرقام الأوليّة حتّى الآن تشهد ما لم يعرفه تاريخ الإرهاب قبل اليوم: مئات الخزّانات النفطية والغازية تشتعل حاليا، كل مستشفيات أمريكا عاجزة عن استقبال الموتى والمصابين، شللٌ كليٌّ في حركة البورصة والبنوك المغلقة أمام طوابير بشريّة لا نهاية لها… هلعٌ على الأوجهِ، ذعرٌ وجنون.

الكرة الأرضية، كما يبدو، كوكبٌ معطّلٌ منكوب.

***************************

31 يوليو/ تموز 2027:

أقرِّر الهروب من باريس إلى البحر رغم حالة الطوارئ الاستثنائية العامة التي أعلِنتْ في كلٍّ من أمريكا وأوربا، بعد الأحداث الإرهابية مباشرة.

باريس هذا الصباح مدينةٌ أكل الطير من رأسها وشرب… كل شيءٍ عاطلٌ منذ القرصنة على قواعد بيانات المعاملات الدولية لِلبنوك.

في حضارتنا الحديثة، لا حياة اليوم في مدينةٍ لا يمكن فيها استخدام بطاقةٍ بنكية: تنغلق المحلات التجارية صغيرُها وكبيرُها، ومحطات البنزين التي لا تعمل جميعها إلا بهذه البطاقة. تتوقّف بعد ذلك آلياً كل شاحنات المواد الاستهلاكية، كل القاطرات التجارية والمطاعم وشبكة المواصلات…

البطاقة البنكيّة نواة خليّة الحضارة الحديثة، وما الخليّة بدون نواة؟

بانتظار عودتِها، سوف يلزم ربما استخدام الدواب لنقل المواد الاستهلاكية في شوارع باريس، ومقايضة الزبدة بالبر، والنبيذ بكبد البطّ المسمّن. من يدري؟…

 

لم يُمنَعِ التجوّلُ في المدينة، لكنها بلا متجوّلين، في حالة قلقٍ كليّ، وطوارئ استثنائية. مات في حشاها العشقُ والطرب، وفي سكّانها الثقة من كل شيء ولا شيء:

عدد الموتى بالصدمات القلبية كبيرٌ، كبيرٌ جدّاً كما يقال، رغم أن المدينة آمنة، وليست في حرب. الأسواق والتجارة كانت شبه طبيعية البارحة، صباح الجمعة؛ والكهرباء والغاز والماء ما زالت متوفّرة كما ينبغي؛ والتلفاز الذي لم يتوقّف عن تطمين المواطنين، لم ينقطع ولا يوشك قريباً على ذلك…

لا ينقص أحداً شيءٌ يستحق الذكر حتّى اللحظة، وضياء شمس صباح هذا السبت، 31 يوليو 2027، على مبنى بلدية باريس، وشارعَي ريفولي والإرشيف، يفتح النفس، لا ينقصه إلا فتيات يتمخطرن بملابس صيفية خفيفة، وأجساد حرّة متلألئة…

****************

من شارع الإرشيف أعرجُ نحو شارع الفرنج البرجوازيين. أراهُ فاضٍ من طرفهِ إلى طرفِه.

السيّارة التي تقودني حديثةٌ جدّاً، “ذكيّة بلا سائق”، تعبر مدينةً فارغةً جوفاء، بلا متجوِّلين، ولا حظر تجوّل. تتوقّف مع ذلك في الضوء الأحمر، رغم إشارة الشرطي الرابض في نهاية الشارع بالسماحِ لها بالعبور بسبب خلاء الطريق من السيّارات والمارّين.

تُفضِّل هذه السيّارة الذكيّة الالتزام بالقوانين على الخضوع لمزاج شرطيّ، رغم رؤيته بعدساتها، واستيعابها لاشارته التي تخضع لها دوماً، إلا لِتجاوز الضوء الأحمر.

 

 

الطريق السريع باتجاه بحر الجنوب شبه خالٍ، وبُعَيد ساعات قليلةٍ فقط سوف أصل. العالَمُ في غيبوبةٍ كما يبدو، يتدحرجُ لا أدري إلى أين، يلتهمه الذعرُ والهلع. وأنا هنا على سيارة نفّاثةٍ في اتجاه البحر، مبتهجاً كما لم أكن يوماً، أتفجّر سعادة.

 

أتذكّر مع ذلك عبارة صاحب الشارب الأبيض المفلفل ستالين الذي قال: “وفي الأخير، ينتصر الموت دائماً!”؛

وعبارة المسكونِ شعريّاً بالرحيل والسفر، بودلير الذي نعت الزمن ب “اللاعب الطمّاع الذي يكسب دون غش، في كل الأحوال”.

 

بودلير نفسه الذي اعتبر الموتَ “رحلةً أخيرة” في قصيدته: “الرحلة”، حين قال:

أيّها الموت، أيّها القبطان القديم، حان الوقت، لِنرفع المرساة!

تضجرنا هذه البلاد أيها الموت، لِنقلع!…